شخصيات تاريخية

سيدة القصر داريا

29 ابريل 2018   محمود سامي
سيدة القصر داريا

درايا سالتاكوفا من عائلة سالتاكوفا الغنية والنبيلة في روسيا في فترة العصور الوسطى، تزوجت وهي في سن صغيرة من ابن عمها ولكن سرعان ما توفى عقب فترة قصيرة من زواجهما، وكانت سالتاكوفا قد ترملت وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، عُرف عن داريا الورع والتقوى وقوة الإيمان، ولم تكن ملامحها أو شخصيتها تهيئ لمن يراها بأن هذا الوجه الملائكي سوف يقتل بأبشع أنواع التعذيب.

كانت درايا تذهب للكنيسة وتساعد في التراتيل، ولا تتوانى عن مساعدة غيرها، ومن خلالها تجوالها وذهابها إلى الكنيسة تعرفت إلى شاب فقير يدعى نيكولاي تيوتشيف، ولذي لم يكن سوى صائد للسيدات الأرامل الثريات، يتغذى على قوتهم وأموالهن بكلامه المعسول، ولسوء حظه أحبته داريا حبًا جمًا، وكانت قد نوت أن تتزوج به.

تغير مجرى الأحداث

بمرور الوقت علمت داريا بأنها حبيبها يستعد للزواج من أخرى، ولكنها لم تصدق سوى نفسها على الرغم من أنها قد تأكدت من تحديد موعد زفافهما، فلم تجد بدًا من محاولة اللحاق به مستغلة في ذلك نفوذها وسلطتها آنذاك، بوصفها السيدة الأغنى بعد الإمبراطورة كاثرين، ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل الذريع، حيث كان يعلم نيكولاي بما تحيكه له من مكائد ويفلت منها قبل أن تصل هي إليه.

بالطبع تبدلت أحوال داريا ولم تعد كما كانت، صارت أكثر عصبية وتعمل على توبيخ خدمها على أتفه الأشياء، ثم تطور الأمر إلى الضرب الخفيف ثم المبرح، وتلاه وصلات تعذيب بلا رحمة لكل من يعمل لديها، ولم تعد تعبأ بأية شكاوى قد تصدر منهم في حقها، فهي السيدة الأغني في روسيا.

ممارسات عنيفة

كانت داريا تتمعن في التعذيب حتى قيل أنها كانت تكسر عظام ضحاياها بالأدوات الحادة، والمطارق الضخمة، وتجعلهم ينزفون بلا رحمة، وبالطبع كان أكثر ضحاياها من النساء، فقد أرادت أن تنتقم من حبيبها ومن أخذته منها، فكان وقع التعذيب أشد وطأة بالنسبة للنساء، وقيل أنها لم يعد رجال سوى ثلاثة فقط في مقابل مائة وتسعة وثلاثون أنثى!

لم تكن داريا تكتفي بوصلات التعذيب في تكسير العظام فقط، بل كانت تجرد ضحاياها من ملابسهم وترميهم على قارعة الطريق في برد موسكو القارص ليموتوا هكذا، أو أنها كانت تحرق شعر الضحايا، وتأكل لحومهن، وقيل أنها كانت تسكب الزيت المغلي على رؤوس الفتيات الصغيرة، في مشاهد تعذيب جماعية بشعة.

النهاية

توالت الاتهامات والشكاوى ضد درايا ولكن الأمر مثلما توقعوا، فكل شكواهم كانت تذهب هباء وأدرك الجميع بأن الشرطة لديهم فاسدة وتحمي دجاريا، نظرًا لمكانتها المجتمعية، ولسوء حظها استطاع اثنان من الخدم لديها الهرب قبل أن يتوفيا داخل غرف التعذيب التي أقامتها لهم.

ذهب الخادمان إلى الإمبراطورة كاثرين ، وللمصادفة كانت كاثرين تقود حملة جديدة مغزاها الحصول على الحقوق الضائعة وإعادة حقوق الفقراء لهم تحديدًا، ووصل الخادمان إلى بلاطها ورويا لها ما حدث، وبالفعل تفقدت الإمبراطورة الأمر، ودهشت لكل ما سمعته من أهوال، وهنا قررت أن يتم إلقاء القبض على سالتاكوفا لأول مرة في تاريخ روسيا، حيث يتم اعتقال سيدة نبيلة مثلها.

تم إجراء تحقيقات موسعة في الأمر مع داريا، وحدث ذلك لمدة عامين، صدر بعدها الحكم بأن تنقاد داريا وسط الجموع ليراها العامة الغاضبون ويهدؤوا قليلاً فما فعلته داريا كان مخجلاً وبحق في حق الطبقة الأرستقراطية التي تنتمي إليها.

وكان تفكير الإمبراطورة كاثرين سليمًا، حيث مرت سالتاكوفا بين الجموع في مشهد مذل، وقذفوها بما لديهم من قاذورات وأوساخ، ثم اقتيدت إلى زنزانتها ، حيث كان حكم الإعدام قد ألغي منذ فترة بعيدة، ولكن الإمبراطورة أرادت أن تحصل سالتاكوفا على جزاء عادل لما فعلته ، خاصة وأنها لم تبد ندمًا، كما أشار المحقق معها والقس أيضًا.

تم إيداع سالتاكوفا في زنزانة أسفل الكنيسة، رطبة ومظلمة وتم منع كل وسائل الحياة عنها، حتى الشموع كانت لديها منها واحدة فقط تُشعل عندما يأتيها الطعام ثم يطفئنها مرة أخرى.

مرت الأيام طويلاً، وظلت سالتاكوفا قابعة في محبسها سنوات طويلة، إلى أن تم إيداعها في غرفة داخل الدير الذي طالما حُبست أسفله في زنزانتها، وكانت الممرضات تتحدثن بشأن جنونها، فقد كانت داريا قد فقدت عقلها تمامًا، حيث قال بعض المؤرخين أنها قد تعرضت للاغتصاب مرات عدة، وأنجبت مثل الحيوانات وهي في محبسها .

وقيل أنها كانت تنزعج إذا ما مر أحدهم أمام النافذة، فكانت تجلس جوارها دائمًا وتنظر من خلالها إلى العالم، إلى أن توفت عام 1800م ، عقب تاريخ حافل بالمجازر التي أقامتها ضد الخدم والفقراء.

 


داريا