بحث


حكاية بناء هرم سنفرو

في حوالي عام 2613 قبل الميلاد وبعد 35 سنة من وفاة الملك «زوسر»، اعتلى الفرعون سنفرو عرش مصر وأسّس الأسرة الرابعة في مصر.

الملك سنفرو هو ابن الفرعون السابق «هوني» لكن والدته «مرس عنخ الأولى» لم تكن زوجة هوني بل احدى محظياته فقط.

لتأكيد شرعيته في السلطة تزوج سنفرو من أخته الشقيقة حتب حرس المولودة من سلالة ملكية، في مصر القديمة كان هذا النوع من القران شائعًا تقريبًا.

في رغبته لجلب عواطف رعاياه ولكي يعتبر كاله انطلق سنفرو فيما يمكن اعتباره عملية اغراء واسعة فكان يوزع عبارة صديقي أو أخي حتى على الفلاحين البسطاء، وللخروج من ظل زوسر الثقيل صاحب السياد الخالدة في ذاكرة المصريين آنذاك بدأ سنفرو في سعي حثيث الى الكمال المعماري على أمل الدخول هو كذلك الأسطورة.

يعتبر عهد سنفرو من الناحية المعمارية نقطة التحول من هرم زوسر المدرج، الذي كان ابداع في حد ذاته لكنه بدائي مقارنة بما سيلي، الى الهرم الأكبر في الجيزة الذي بناه خوفو والذي يعتبر قمة الانجاز في فن الأهرامات.

بعد فترة طويلة من التجارب والأخطاء استطاع سنفرو تطوير تقنيات بناء الأهرامات وتحويلها الى فن حقيقي.

قاد ثلاث مشاريع كبرى مولها بنهبه لجيرانه، النوبة وليبيا وشبه جزيرة سيناء، وأكسبه هذا الاستلاء لقب " قاهر البرابرة " وزود سمعته كفرعون عظيم في تاريخ مصر القديم.

هرم ميدوم نقطة التحول

بدأ سنفرو أول تحدي معماري له في ميدوم وهي مقبرة مقدسة تقع جنوب سقارة (محافظة بني سويف حاليا).. أنقاض هرمه هذا النصف منهار لا زالت ظاهرة وسط مناظر الطبيعة الصحراوية للمنطقة. تمثل ميدوم نقطة تحول حاسمة في بناء الأهرامات.

يحتوي هذا الهرم في الأصل على ثماني مدرجات ترتفع الى السماء بزاوية ميل حاد. أعطى سنفرو الأوامر بملء الفراغات بين المدرجات باستخدام الحجارة ثم يقام بتغطية البنية بطبقة من الحجر الجيري الأبيض المصقول مما يعطي لواجهات الهرم مظهر ناعم المرغوب فيه. يبدو أن هذا الهرم ذو الأشكال الغير عادية قد لقى نجاحا واعجابا كبير في وقته، لكن وراء واجهته البراقة كانت هناك أخطاء..

اليوم وبعد مرور 4600 سنة على بناء هرم ميدوم تظهر ملامح انهيار بوضوح. بقيت ثلاث مدرجات سليمة من أصل ثماني كما أن الغطاء أو الكسوة الخارجية التي أضيفت تشكل الآن كتلة ضخمة من الحطام عند سفح الهرم. قد يرى هذا على أنه الدليل أن هناك انهيار مذهل قد حدث.. لكن وفقا لبعض المؤرخين فان النظرية القائلة بهذا الانهيار ليست صحيحة حيث يتحدثون في أدلتهم عن رجل جاء لزيارة الهرم في عهد الإمبراطورية الجديدة وأثنى عن روعته، فاذا كانت البناية قد انهارت في عهد الإمبراطورية القديمة لما كان قد ذكر جماله أبدا.. مع ذلك فيبدو حسب الأخصائيين أن الأبحاث التي تمت لاحقا تدعم نظرية الانهيار. 

الهرم المائل والهرم الأحمر

في العقد الثاني من حكمه تخلى سنفرو عن هرم ميدوم ليحول جهده نحو مشروع آخر في دهشور، منطقة صحراوية جنوب سقارة. في هذا المكان سيحاول مهندسوه بناء أول هرم حقيقي كما نعرفه الآن بواجهات مصقولة.

على الرغم من التقدم في العمل الا أنهم واجهوا صعوبة جديدة، ففي الغرف الداخلية للهرم ظهرت شروخ فتقول بعض التفسيرات أن الهرم كان مبنيا على أرض صخرية غير مستقرة. لكن سنفرو لا يريد اطلاقا التخلي على هرمه الثاني وبأي ثمن على الرغم من العيوب التي ظهرت في بناءه. تسارع المهندسون عندها بتعزيز المبنى الغير مستقر من خلال توسيع قاعدته بأكثر من 15 مترا.

بينما كان المبنى يكتسب في الارتفاع اتخذوا قرارا جذري و غريب في نفس الوقت حيث غيروا زاوية الميل من 54 الى 43 درجة.. يعرف اليوم هذا النصب بشكله الغير معتاد باسم "الهرم المائل".

يبدو رغم ذلك أن سنفرو لم يكن راضيا بهذا الإنجاز لأنه على بعد كيلومترين شمالا يقف هرم آخر منسوب اليه. تشير النقوش التي وجدت بالقرب من هذا المعلم الأخير أنه عرف باسم "الهرم الأحمر".. فعلى الرغم من فشله مرتين في محاولته لبناء أول هرم بواجهات ملساء بقى فرعون في تعنته مهووس بالمجد فحشد مرة أخرى اليد العاملة المتوفرة والمعماريين البارعين واللجوء الى الخزينة الملكية لتمويل مشروعه الجديد.

كانت لدى سنفرو تلك الرغبة الاستثنائية للحصول على الهرم الأمثل وكانت بتكلفة عالية حيث تبرر الانفاق الضخم المتزايد فأفرغت خزائن المملكة ونشرت جيش من العمال لاستخراج الحجارة لبناء هذه المعالم الهائلة.

إن بناء هرم ثالث في عهد واحد ولنفس الفرعون يعني الوصول الى استنزاف الإمبراطورية، لكن سنفرو كان رجل سياسي ماهر يعرف كيف يجعل رعاياه يتقبلون هذه المشاريع، لقد كان عبقريا فيما يمكن وصفه بتقنيات التواصل مع رعاياه، انه أول ملك استخدم اسمه الحقيقي بدلا من اسم التتويج (كما كانت العادة من قبل) وكان لا يتردد أمام أي شيء، لتوسيع شعبيته.

للتغلب على الصعوبات التي واجهوها مسبقا قام مهندسو سنفرو بإعطاء الهرم الأحمر انحدار أكثر انخفاضا وقاموا بتقوية أسسه بكتل كبيرة من الحجر الجيري. في هذه الحالة كانت الكتل أكبر بكثير من ذي قبل حيث فضل المهندسون استخراج واستخدام صخور ضخمة تزن عدة أطنان بدلا من كتل أخف مثل التي استعملت في بناء الهرم المدرج. 

لإيصال هذه الصخور الى موقع الورشة يقوم فريق مكون من 20 رجلا بسحب زلاجة خشبية على منحدر مكون من الطين والأحجار والأنقاض ويتم رش الأرض بالماء لتحليل من حدة الاحتكاك أثناء الصعود. 

الوصول الى الكمال

4600 سنة بعد هذا الإنجاز لا يزال الجدل محتدما حول شكل وتكوين هذه المنحدرات الطينية، ثلاثة أطروحات سائدة، الأولى تتحدث عن بناء منحدر ضخم مستقيم على جانب واحد من الهرم والنظرية الثانية تقول بوجود نظام سلمي حلزوني يدور حول الهرم والطرح الثالث مزج بين الاثنين.. بعد ترتيب كل هذه الحجارة في شكل هرمي يقوم العمال بإضافة طبقة من الحجر الجيري الأبيض ذو جودة ممتازة، كانوا يبدؤون عملهم في أعلى المبنى ثم ينزلون وهم يصقلون الحجارة بأدوات قص من النحاس.

بعد ثلاث محاولات وعدة عقود من العمل توج مجهود سنفرو بتحقيقه للكمال المعماري بهرمه الأحمر، أول هرم حقيقي في التاريخ. لم يقم المهندسون بتشييد نصب تذكاري بواجهات ملساء متناسقة ومتجانسة فحسب بل استطاعوا كذلك انشاء غرف كبيرة في داخله. في احدى هذه الغرف اكتشفت في عام 1950 عظام لرجل في منتصف العمر لكن دون أن ترافقه أي نقوش لتدل على هويته. اعتقد بعض علماء المصريات أنه هيكل سنفرو لكن آخرون يرفضون هذه الأطروحة معترضين أن الفرعون دفن في الهرم المائل لأن هذا الأخير محاط بمجمع جنائزي أكثر شمولا..

وفقًا لبعض المؤرخين انتهى حكم سنفرو الذي استمر 30 عاما في حوالي 2589 قبل الميلاد، لكن آثاره الجنائزية بقت خالدة. كشفت الحفريات في موقع دهشور أنه بعد 2000 سنة من وفاته كانت لا تزال بقايا البخور تودع في المكان تذكار له. سيستفيد خوفو، ابنه وخليفته، من التراث المعماري لوالده ليبني الهرم الأكثر كمالا وهو الهرم الأكبر في الجيزة ذو تناسق شبه كامل على شكل زوايا من 51 درجة.

عندما بنى خوفو هذا المبنى الاستثنائي كانت الإمبراطورية المصرية القديمة في أوج عظمتها ورخاءها، لكن في القرنين 22 و21 قبل الميلاد دمرت المجاعة والجفاف والفوضى البلاد حتى ظهور سلالة فراعنة جديدة من الجنوب كانوا مصممون على استعادة روعة مصر القديمة، دفعوا من خلال الحملات العسكرية المستمرة بحدود الإمبراطورية الى مناطق لم تشهدها من قبل. بعد تدميرهم لكل شيء في طريقهم بنوا حصونا منيعة أعادت لمصر قوتها وسيطرتها على المنطقة بأكملها..ستكون تلك صفحة أخرى من صفحات تاريخ مصر العريق بانجازته.. وكما يقال، لكل مقام مقال.



مقالات قد تُعجبك

سنفرو هرم سنفرو
تعليق عن طريق الفيس بوك