تاريخ

تاريخ الإمبراطورية البيزنطية

22 يوليو 2018   محمود سامي
تاريخ الإمبراطورية البيزنطية

الإمبراطورية البيزنطية أو كما تُسمى الإمبراطورية الظلامية بأنوارها كانت عاصمتها القسطنطينية، وكانت تتميز بالعبقرية والوحشية، الذكاء والمكائد، المسيحية والمذابح.. هي امبراطورية الأنوار تسبح في ظلاميتها. أطلقوا على أنفسهم اسم رومان لأنهم استمروا في تقاليد امبراطورية روما.

تحت حكم قادة يتمتعون بسلطة مطلقة، مسترشدين بمهندسين دفعوا بالفنون المعمارية الرومانية الى أبعد الحدود، بنى البيزنطيون أطول قناة لجر المياه في العصور القديمة المتأخرة وأسوار لا تقهر تقريبا وكاتدرائية عظيمة (آيا صوفيا) متوجة بقبة تتحدى قوانين الطبيعة، كنيسة ذات أبعاد غير مسبوقة وكأنها سحرية. لكن الإرث الروماني له ثمن، فلقد أعمى 14000 شخص تاركا، كما يقال، عين واحدة لرجل من المائة.

الإمبراطورية البيزنطية

كانت الإمبراطورية البيزنطية هي الحضارة المهيمنة فيما يعرف بالعصور المظلمة في تاريخ أوروبا وحوض البحر المتوسط. لكن بعد انقضاء ألف عام من الهيمنة لم تعد الإنجازات الفنية المعمارية تكفي لينطفئ شعاعها القديم مع زهير الحروب الحديثة.

بيزنطة هي في الأصل مدينة اغريقية قديمة أنشأت حوالي عام 600 قبل الميلاد وسميت باسم ملك يدعى " بيزاس ". أهمية الموقع تكمن في ذلك الذراع البحري الذي يربط آسيا بأوروبا، من البحر الأسود الى البحر الأبيض المتوسط والذي يعرف بمضيق البوسفور ( أي – ممر ضيق – في أصل الكلمة ).

استطاعت هذه الامبراطورية وعلى مدى 1100 سنة أن تحافظ على التراث التشريعي والأدبي الهام للغرب، أكثر من ذلك رسخت الديانة المسيحية بصفة دائمة كما أنجبت حرفيين ومعماريين وفنانين كان لهم الأثر الكبير في مولد عصر النهضة الأوروبية.
بدأ كل شيء تحت رعاية الامبراطور قسطنطين الذي خلافا لبعض المخادعين في التاريخ الذين اغتصبوا نعت " الكبير " أو " العظيم " يمكننا القول أنه يستحق ذلك الوصف ولو بالنسبة للحضارة الغربية.. البعض ذهب أبعد من ذلك، خاصة أهل الكنيسة، الذين أعطوه صفة القداسة فأصبح يسمى " القديس قسطنطين ".

في يوم 8 نوفمبر 324 وبعد عقدين من الحروب الأهلية المدمرة أخذ أخيرا قسطنطين السيطرة الكاملة على الإمبراطورية الرومانية.. كان قائدا صاحب رؤية واستراتيجي بارع ورجل طموحه لا تعرف حدود. أصبح امبراطور بفضل مناورته وخدعه الخاص، كان واحدا من أولئك الذين غيروا مسار التاريخ لأنه ورث امبراطورية رومانية مقسمة الى قسمين. أعاد توحيد الامبراطورية الشاسعة الأطراف وسيطر على أجزائها الغربية والشرقية، فكان حقا سياسيا محنكا في مواجهته للصعاب الإدارية وتسيير ذلك المجال الجغرافي الواسع.

 

قسطنطين ومدينته

بعد ستة أسابيع فقط من صعوده على العرش، ذهب قسطنطين الى حدود الإمبراطورية في مكان معزول بتركيا حاليا، أخذ رمحا وبدأ يرسم مخطط المدينة على الأرض أمام دهشة مرافقيه قائلا حينها.. " سأذهب قدر المستطاع بما يمليه عليا مرشدي ".. أصبح ذلك الخط هو حدود العاصمة الإمبراطورية الجديدة، روما الجديدة، ومن ذلك المخطط سوف يصنع مدينة رائعة، قلب امبراطورية عظيمة أخذت اسم القسطنطينية، مدينة قسطنطين.

نقل قسطنطين مركز الإمبراطورية الرومانية ليأسس مركزا جديدا، فابتعد عن روما بدسائسها الداخلية وحقوقها المكتسبة لإنشاء مدينة يمكنه تشكيلها كما يشاء.

بنيت مدينة القسطنطينية الجديدة بفضل تقنيات اتقنت خلال مرحلة الامبراطورية الرومانية. فانطلق قسطنطين في ورشة عظيمة وشرع في بناء المنتديات والأسواق والمباني على صورة روما القديمة.

عهد قسطنطين له خصوصية استثنائية، فعلى عكس أسلافه سوف يستغل قوة يسوع المسيح حيث كانت المسيحية حينها في توسع مستمر وكان هناك حضور كبير لذلك الدين في الإمبراطورية ومجرد الاعتراف بهذا الوجود الديني يعتبر بادرة منطقية. من هنا نقول أن المسيحية الأرثودوكسية كانت أساس ميلاد ووجود القسطنطينية.

لابد أن لا ننسى أنه رغم "قدسيته " لدى المسيحيين فقسطنطين كان امبراطورا، أي بعبارة أخرى مستبد ومتجبر، فانه لم يتردد في قتل ابنه وصهره وزوجته الثانية في رحلته الى إيطاليا، وعندما يريد الرجل مدينة فلا يجب لسكانه الوقوف امام رغبته والا العواقب ستكون وخيمة. 

الإشكالية الأولى التي واجهت مشروع قسطنطين هي كيف يمكن جلب الناس الى مدينة جديدة في منطقة نائية مسماة بيزنطة ؟ بادئ ذي بدئ، كان عليه إعادة تسميتها بإعطائها اسمه الشخصي، ثانيا ومثل جميع الأباطرة الرومان المهووسون بالعمران إعادة بنائها.. نفتح قوس هنا لنقول أنه لو عاد قسطنطين من قبره ورأى نجاح إسطنبول (حاليا) بسكانها اليوم البالغ عددهم 12 مليون والمليونين من السواح سنويا فانه لن يصدق بنفسه ذلك..لأنه عند وفاته عام 337 لم ينتهي بناء سوى نصف المدينة، إضافة الى العديد من المشاكل المرتبطة بالمنشآت القاعدية.

فرغم الزيادة في عدد سكانها لم تكن هناك سوى قناة واحدة لجر المياه ورغم أنها محاطة بالبحر من ثلاث جهات الا أن مياه الشرب كانت شبه منعدمة. 

في منتصف القرن الرابع كانت المدينة تموت من العطش ولكي يبقى على احياءها وجب على خلفاء قسطنطين انشاء شبكة لإمدادها بالمياه أكبر من شبكة روما. في مواجهتهم لهذا التحدي سيحققون واحدة من أعظم المآثر التقنية في العالم القديم.. لم تكن هناك منابع للمياه أصلا داخل المدينة فاستوجب الأمر جلبها من أماكن بعيدة عن الأراضي المحيطة بالمدينة وعلى مسافات كبيرة من البحر. المهمة وقعت على كاهل الامبراطور " فالنس أغسطس " الذي يستحق هو كذلك مقالا خاص به لاحقا..


الإمبراطورية البيزنطينة