الصحة العامة

اضطراب ما بعد الصدمة النفسية

18 نوفمبر 2019   محمود سامي
اضطراب ما بعد الصدمة النفسية

كيف تلاحقنا الصدمات النفسية وتبقى معنا إلى الأبد، وما هو السبيل للتخلص من تبعاتها، اضطراب الشدة بعد الصدمة (Post-traumatic Stress Disorder) -أو ما يعرف اختصارًا بـ (PTSD)؛ هو أحد اضطرابات القلق التي تنجم عن اختبار أحداث نفسية مروعة أو مزعجة أو خطرة. سنتعرف في المقال التالي على تاريخ الاضطراب، أعراضه وآثاره على الفرد والمجتمع.

في زمننا الذي تكثر فيه الصراعات المسلحة والحوادث الخطرة كل يوم، من الطبيعي أن نشعر بالخوف والذعر لدى مرورنا بتجربة عنيفة مثلاً، فشعور الخوف ينقل أدمغتنا وسائر أعضاء جسدنا خلال فترة زمنية وجيزة إلى وضعية (القتال أو الهرب – Fight or Flight response)، والمسؤول عنها هو جزء من جهازنا العصبي لا يخضع لسيطرتنا الواعية.

نتحول من خلال ردة الفعل تلك إلى حالة متأهبة يقظة، وهذه الآلية من وجهة النظر التطورية كانت غاية في الأهمية عندما كان البشر يضطرون لمواجهة ظروف الطبيعة الخطرة والحيوانات المفترسة كل يوم، إلا أنها قد تصبح متعبة في حال استمرار التنبيه لفترة طويلة، أو في حال عدم الحاجة للقتال أو الهرب في مواجهة الخطر (كامتحان صعب مثلاً).

معظم الأشخاص يبقون بحالة هلع لفترة زمنية ما قد تطول أو تقصر بعد التعرض لشدة نفسية، ثم يهدأ الشخص تدريجياً وتتراجع الأعراض، إلا أن عدداً من الأشخاص لا يتجاوزون الموقف، وتأتيهم هجمات متكررة من الهلع والتوتر بالرغم من غياب المنبه الأصلي، هؤلاء الأشخاص هم المصابون بمتلازمة الشدة بعد الصدمة.

ما هي أعراض اضطراب الشدة بعد الصدمة (PTSD)؟

كما أسلفنا، فليست كل تجربة مروعة يمر بها أي شخص كفيلة بإحداث اضطراب الشدة بعد الصدمة الحاد (قصير الأمد) أو المزمن (طويل الأمد).

وفي المقابل، ليس من الضروري حدوث تجربة صادمة لإحداث الاضطراب، إذا قد يكفي موت شخص عزيز أحياناً، أو مشاهدة حادث في نشرات الأخبار، وسنأتي على ذكر العوامل المسببة بالتفصيل بعد قليل.

يتطور اضطراب الشدة بعد الصدمة خلال شهر من الحادث الصادم في العادة، إلا أنه قد يتأخر عدة أشهر أو حتى أكثر من عام، ويجب أن تستمر الأعراض لفترة أكثر من شهر على أقل تقدير حتى يتم التشخيص، بعض المرضى يتعافون خلال 6 أشهر، تستمر الأعراض لدى بعضهم الآخر فترة أطول حتى عدة أعوام، ويمكن أن تتحول إلى حالة مزمنة تستمر مدى الحياة.

حتى يتم تشخيص اضطراب الشدة بعد الصدمة لدى البالغ، يجب وجود جميع الأعراض التالية لدى المريض:

  1. واحد على الأقل من أعراض إعادة الاختبار (Re-experiencing symptoms).
  2. واحد على الأقل من أعراض التجنب (Avoidance Symptoms).
  3. واحد على الأقل من أعراض فرص الاستثارية (Hyperarousal Symptoms).
  4. واحد على الأقل من الأعراض المعرفية والمزاجية (Cognition and Mood Symptoms).

لنتعرف الآن قليلًا على تلك الأعراض:

أعراض إعادة الاختبار (Re-experiencing Symptoms):

تعد أكثر الأعراض التي تثير الشك بحدوث اضطراب (PTSD)، وفيها يعيش المريض في ذهنه بشكل حيّ وواضح الأحداث التي أدت لحدوث الاضطراب، وتأتي على أحد الأشكال التالية أو أكثر من شكل:

  1. ومضات ذاكرة (Flashbacks).
  2. كوابيس.
  3. صور ذهنية متكررة ومزعجة متعلقة بالحادث.
  4. أحاسيس جسدية، كالألم، الغثيان، التعرق الغزير والرجفان.

يتم تحريض هذه الأعراض بالحديث عن الحادث المسبب للصدمة، أو تذكره إثر مشاهدة شخص ما أو ما شابه ذلك، ويمتلئ ذهن المصاب بأفكار سلبية تعيقه عن ممارسة نشاطات حياته اليومية، فيفكر ما إذا كان من الممكن تلافي وقوع الحادث لو تصرف بطريقة أخرى قبل حدوثه؛ مما يخلق شعوراً مستمراً بالندم.

أعراض التجنب والخدر العاطفي (Avoidance and Emotional Numbing Symptoms):

هنا يتجنب المصاب الذكريات الأليمة ويحاول كبتها عميقاً ضمن اللاوعي الخاص به. وفي سبيل ذلك، يلجأ إلى إحداث تغييرات في نمط حياته حرصاً على تجنب كل ما يتعلق بالحادث، مثلاً إذا كان السبب حادث سيارة، يبيع الشخص سيرته ويعتمد على المشي أو الدراجة في تنقلاته اليومية، أو إذا كان السبب حادث اغتصاب تحاول المرأة تجنب ممارسة الجنس مع زوجها وهكذا.

يلجأ العديد من المصابين باضطراب الشدة بعد الصدمة إلى ملء وقتهم بالعمل أو الرياضة أو ممارسة الهوايات، أما بعضهم الآخر يلجأ إلى آلية نفسية دفاعية مختلفة تماماً تدعى الخدر العاطفي (Emotional Numbing)، ويحاول المريض ألا يشعر بشيء على الإطلاق أملاً منه في تجنب المشاعر السيئة، قد يصل الأمر بالمريض إلى الانعزال والانسحاب من المجتمع، ويفقد في النهاية المتعة من النشاطات التي كانت تجلب له البهجة سابقاً.

فرط الاستثارية (Hyperarousal):

قد يواجه مريض اضطراب الشدة بعد الصدمة صعوبة كبيرة في الاسترخاء وضبط النفس، ويبقى في ذهنه متأهباً دوماً لخطر محدق يتربص به، وهذا ما يدعى بفرط الاستثارية، وقد تقود هذه الظاهرة إلى:

  1. الهياج.
  2. ثورات الغضب (Angry Outbursts) التي قد تدفع المريض للقيام بتصرفات عنيفة دون أن يحسب لها حسابًا.
  3. صعوبات النوم، فالأرق شائع عند المصابين.
  4. صعوبة في التركيز، بسبب التوتر الدائم والعصبية.

الأعراض المعرفية والمزاجية (Cognitive and Mood Symptoms):

وتشمل هذه الأعراض:

  • نسيان تفاصيل مهمة جرت أثناء الحادث وعدم القدرة على استرجاعها، وهذا ما يسبب مشاكل وتعقيدات كثيرة في بعض الأحيان، مثلاً عندما يحقق رجال الشرطة مع فتاة تعرضت للاغتصاب ولا تستطيع تلك الفتاة مهما حاولت تذكر وجه الجاني.
  • الأفكار السوداوية التي قد تصل إلى الرغبة بالانتحار وفقد الثقة بالنفس أو بالآخرين.
  • الشعور الدائم بالذنب.

ومن المهم تفريق الأعراض العقلية الناتجة عن اضطراب الشدة بعد الصدمة عن تلك الناتجة بسبب الاستهلاك المفرط للكحول والمخدرات التي قد يلجأ إليها المريض لنسيان ما حصل.

إضافة إلى الأعراض الرئيسية السابقة، يوجد عدد من الأعراض الأخرى الثانوية، نذكر منها:

  • السلوك المدمر للذات؛ كالرغبة في إيذاء الجسد باستخدام الأدوات الحادة، إضافة إلى تعاطي الكحول والمخدرات.
  • أعراض جسدية غير وصفية (Atypical Physical Symptoms)؛ كالصداع والدوار وآلام الصدر والمعدة مجهولة السبب.

من الطبيعي تماماً أن يشعر الفرد بواحد أو أكثر من الأعراض السابقة عند التعرض لشدة نفسية كبيرة، وقد تستمر لعدة أسابيع وتختفي بعد ذلك لوحدها، وهذا ما يدعى باضطراب الشدة الحاد (Acute Stress Disorder) أو اختصاراً (ASD).

إذا استمرت الأعراض لأكثر من شهر، ولم يكن هناك سبب عضوي أو دوائي يفسرها إنما كانت بسبب الحادث فحسب، وأثرت هذه الأعراض على نشاط الفرد الاجتماعي والمهني والصحي بشكل سيء، انصحه باستشارة طبيب نفسي بأسرع وقت، لأن الحالة على الأرجح هي اضطراب شدة بعد الصدمة (PTSD).

غالباً ما يترافق (PTSD) مع اضطرابات نفسية أخرى، كالاكتئاب المرضي، الإدمان واضطراب القلق المعمم.

هل تختلف الأعراض لدى الأطفال والمراهقين عنها عند البالغين؟

نعم بالتأكيد، ونلاحظ أن الأعراض تكون أوضح وأكثر حدية عند غير البالغين (لعل السبب في ذلك هو آليات الدفاع النفسية التي يستعملها البالغ لكبح الأفكار العنيفة والسيطرة على الذات)، وتتجلى الأعراض لدى الأطفال تحت 6 سنوات، وتظهر كما يلي:

  • تبليل الفراش ليلاً حتى عند الأطفال الذين تعلموا استخدام المرحاض.
  • التعلق المفرط بالوالدين وخاصة الأم، والقلق عند ابتعادهما.
  • تمثيل الحادث الصادم (كالتحرش) عند اللعب مع أطفال آخرين.
  • التلعثم أو فقدان القدرة على النطق مؤقتاً أو بشكل مزمن.

أما عند المراهقين، فتكون الأعراض قريبة منها لدى البالغين، وتسود الدوافع العنيفة للانتقام أو عصيان الأهل ورموز السلطة (كالمدرسين) والرغبة بالتمرد على المجتمع، إضافة إلى الشعور بالذنب (خاصة عند المراهقين الكبار)، والتفكير بالتصرفات التي أدت إلى الحادث، وفيما إذا كان من الممكن تلافيها.

بعض الأمثلة عن مسببات اضطراب الشدة بعد الصدمة (PTSD)

كما أسلفنا، فالصدمات النفسية الفاجعة والأحداث العنيفة هي السبب الرئيسي وراء (PTSD)، وفيما يلي نعرض بعض أمثلتها:

  • حوادث السير الخطيرة.
  • الاعتداءات الشخصية العنيفة؛ كالاعتداء الجنسي أو النهب.
  • الاعتداء الجسدي المتكرر، كالاغتصاب الزوجي أو الإهمال الشديد.
  • مشاهدة حوادث موت عنيفة.
  • الوقوع وسط صراع عسكري مسلح.
  • الاحتجاز كرهينة.
  • الهجمات الإرهابية؛ وتشكل السبب الأكبر في منطقتنا العربية إضافة إلى الوجود بقرب مناطق نزاعات.
  • الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات.
  • تشخيص مرض مهدد للحياة؛ كشخص ظن نفسه معافى ليكتشف فجأة أنه مصاب بالسرطان مثلاً.
  • إصابة شديدة، أو موت مفاجئ لأحد أفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين.

لا يحدث الاضطراب في العادة نتيجة أحداث مزعجة متوقعة أو غير شديدة، كوفاة قريب متقدم في السن أو الطلاق أو الرسوب في الامتحانات مثلاً.

العوامل النفسية المؤدية لاضطراب الشدة بعد الصدمة (PTSD)

ليس من الضروري أن يحدث اضطراب الشدة بعد الصدمة لدى الجميع إثر الصدمات النفسية الشديدة، بل على العكس، في الحقيقة؛ تقدر نسبة المصابين بـ (PTSD) بواحد من كل 3 أشخاص ممن يصابون بصدمات نفسية شديدة، وهناك عدد من العوامل التي تؤهب لحدوث الاضطراب، مثل:

  • العيش في منطقة خطرة.
  • الإصابة بأذى جسدي في الحادث الذي أدى إلى الصدمة.
  • رؤية أحد آخر يتأذى، أو مشاهدة شخص ميت.
  • الصدمات النفسية في عمر مبكر.
  • غياب وجود دعم اجتماعي كاف من الأهل والأصدقاء.
  • خسارة شيء أو شخص ما لتضاف شدة أخرى على شدة الصدمة، كخسارة الجنين لدى حامل تعرضت للاغتصاب، أو خسارة المنزل بعد حدوث حريق.
  • وجود سوابق أمراض نفسية، أو استهلاك الكحول والمخدرات، فهو يصعب على الفرد التعامل بعقلانية مع المشاكل النفسية.

بالمقابل، يوجد عدد من العوامل التي قد تساعد على تجاوز المحنة، وعدم الوقوع في براثن اضطرابات الشدة، ومنها:

  • وجود دعم اجتماعي نفسي من الأهل والأصدقاء.
  • طلب المساعدة النفسية في وقت مبكر من طبيب نفسي خبير.
  • تقبل حقيقة ما جرى، والاقتناع أن الندم لا يفيد ومن الواجب أن نتجاوز الماضي ونمضي للأمام.

لكل مريض باضطراب الشدة بعد الصدمة؛ خصوصية في تشخيص حالته ثم علاجه

مهما تأخرت الأعراض الأولية في البدء، ومهما كان المرض قديماً حتى لو تطور للإزمان (أن يصبح المرض مزمناً)، يبقى هناك أمل كبير في العلاج والسيطرة على الأعراض، ويحدد الطبيب النفسي خطة العلاج بناء على خصوصية حالة كل مريض، من عمره وكنسه وطبيعة الأعراض والسبب الذي حرضها والكثير من المتغيرات الأخرى، ويمكن أن يجرب أكثر من علاج ليراقب ردة فعل المريض تجاهها.

يعتمد العلاج على طريقتين أساسيتين: الأدوية والعلاج النفسي، وقد يبقي الطبيب المريض لفترة دون علاج إذا كان هناك أمل بتحسن الأعراض وزوالها بمفردها.

الأدوية الأهم في علاج اضطراب الشدة بعد الصدمة هي مضادات الاكتئاب بسبب تأثيرها المطمئن النفسي، أما العلاج النفسي؛ فيعتمد على التداعي الحر أو العلاج بالكلام، وهي طريقة يسرد فيها المريض كل ما يفكر فيه ليعبر عن مخاوفه ويعود بها إلى أصل المشكلة، وهناك تقنيتان أثبتتا نجاحهما إلى حد بعيد في العلاج السلوكي:

  • العلاج بالتعرض (Exposure Therapy): هنا يتم تعريض المريض بشكل تدريجي ومستمر للشيء الذي يحرض نوبة الهلع لديه، فإذا كان المريض يخاف من السيارات بعد حادث سير مثلاً، تعرض عليه في البداية صورة سيارة، يشاهدها عدة مرات في كل جلسة حتى تصبح اعتيادية، ثم في مرحلة لاحقة يطلب منه لمس الصورة، وهكذا تدريجياً حتى يعود المريض إلى ردة الفعل الطبيعية تجاه ذلك العامل.
  • العلاج المعرفي: يفيد بشكل خاص عند المرضى الذين يشعرون بالذنب بشكل دائم ويتوهمون أنهم قصروا في شيء ما؛ مما أدى للحادث الفاجع مثلًا، وهنا يعتمد العلاج على إنعاش ذاكرة المريض وتبيان الخطأ في الأوهام التي عششت في رأسه.

من الجدير بالذكر أن اضطراب الشدة بعد الصدمة لم يكن معترفاً به كاضطراب نفسي حتى عام 1980، حين تم إدراجه في الدليل التشخيصي والإحصائي للطب النفسي (DSM) الصادر عن الجمعية الأميركية للطب النفسي.

وختاماً.. من المهم أن نؤكد على الدور الكبير الذي يلعبه المحيط الاجتماعي المشجع والداعم في هذا الاضطراب بشكل خاص وفي سائر الاضطرابات النفسية والجسدية بشكل عام، لذلك علينا جميعاً أن نتكافل لمساعدة أقربائنا وأصدقائنا المصابين أو المعرضين للإصابة باضطرابات مشابهة.


الصدمة النفسية اضطراب ما بعد الصدمة الصدمة