أفلام

أفلام عربية يجب عليك مشاهدتها

في هذه المقالة نقدم إليكم قائمة بأفضل الإنتاجات من الأفلام العربية، يجب عليك مشاهدة هذه الأفلام ولو لمرة واحدة

أفلام عربية يجب عليك مشاهدتها

عندما كنت أحادث أحد أصدقائي المهتمين جدًا بفن السينما، وكان يحدثني عن السينما الأمريكية ثم عرج بالحديث على الفرنسية والألمانية والبريطانية والبلجيكية والنرويجية، ولم يدخر جهدًا في الكلام عن وودي آلان وإدجار برجمان وديفيد فيشنر وتارانتينو..

والحقيقة أنه كان موسوعة في كافة منصات إنتاج السينما الأوربية، فقلت من الواجب أن أطلع على خبرته في السينما العربية -لا سيما المصرية- فحتى وإن كان لدي خبرة في السينما العربية أو شاهدت مئات الأفلام العربية والمصرية، فلا ريب أن موسوعة مثله قد يلفت نظري لنقاط معينة لم أرها من قبل أو يضيف إلى معارفي ولو نقطة من بحر معرفته عن السينما..

فبادرته بالسؤال عن السينما المصرية ففوجئت أنه لا يعرف أي شيء عنها، وأنه يهمل الاطلاع على إنتاجها لا عن عمد ولكن عن عدم اهتمام أو ربما عدم تقدير..

فأخذت أسأله عن أفلام لا ينبغي أن يكون عربيًا أو مصريًا إلا ولابد أن يكون شاهدها، مثل الحرام وبداية ونهاية والكيت كات وزوجة رجل مهم وسواق الأتوبيس، فوجدت أنه لم يشاهد أي منها، رغم أنه يقيم في نفس المحافظة الجنوبية التي أقيم فيها وينتمي إليها اثنين ممن أثروا السينما المصرية والعربية ككل، عاطف الطيب المخرج الرائع، ورضوان الكاشف المخرج العظيم رغم أعماله القليلة.

ثم لاحظت أن أكثر من شخص من أصدقائي المغرمين بالسينما، لا يعرفون عن السينما المصرية إلا القليل، ونادرًا ما تجد شخصًا مهتمًا بالسينما المصرية مثلما يهتم بالأوروبية أو الأمريكية!
والحقيقة لقد تحرك بداخلي الحس القومي والنظرة الوطنية والذي يحتاج لأقل من هذا بكثير لتحفيزه وإثارته، و وجدت أن واجبًا علي أن أكتب عن 100 فيلم يجب -حسب وجهة نظري- مشاهدتهم إن كنت تريد أن تلم بالحد الأدنى لإنتاج السينما المصرية على مدار السبعين عامًا الأخيرة.. حيث عمر السينما في مصر.. وفي العالم العربي بالطبع.

ولمّا كنت قد نشأت في بيت فني، أي مهتم بالفنون ولا سيما السينما المصرية، لدرجة الدراية بأسماء نجوم الصف الأول والثاني والثالث والرابع وبعضًا من الكومبارس، ومعرفة الحالات الاجتماعية والمعارك الفنية والشخصية، والسير الذاتية لهؤلاء الفنانيين، فقد استطعت الإلمام بمعظم الأفلام المصرية ومشاهدة مئات ومئات منها، منذ صغري وحتى الآن، لذلك ترسخ لدي خبرة ودراية بالأفلام المصرية وهيأت لي نفسي -وإن النفس لأمارة بالسوء- أنني صرت متمكنًا فيها بما قد يسمح لي أن أتجرأ وأكتب عن 100 فيلم يجب أن يشاهدهم من يريد أن يعرف عن السينما المصرية أو يطلع على دررها وجواهرها.

ولم أرد أن تصبح هذه الأفلام مرتبة حسب الأفضلية، حيث أن هذه الأشياء شديدة النسبية حتى وإن كانت صادرة من مزاج شخصي.. فإنني سأقع في حيرة كبيرة إن قلت أن هذا الفيلم أفضل من غيره.. ولا أحسبني سأقع في حماقة كبيرة مثل هذه، حيث أن هذا حكم جائر أن أحكم على فيلم أنه أفضل من غيره، لكن من الممكن أن أقول أن هناك فيلم معين هو الأقرب لقلبي، بشكل ذاتي بعيد عن أي دوافع منطقية أو أسباب فنية.

لذلك عمدت إلى ترتيب الأفلام ترتيبًا زمنيًا حتى يتسنى لي عرض الأفلام في سياقها الزمني.. فلا نقارن مثلاً فيلمًا في أواخر الثلاثينيات والاحتفاء به رغم قصته العادية وتمثيله غير الناضج بعد، بفيلم في الألفية الثالثة شديد الإتقان والإحكام بإخراج متميز وآداء موّجه مثقل بميراث من الأعمال والإبداع، بفكرة أو سيناريو خارج من ظروف زمنية وتكنولوجية مختلفة.

وأعرف أنه ستسقط مني الكثير والكثير من الأفلام سهوًا أو لحاجة في نفس يعقوب.. لذلك أتمنى أن يخرج الأمر أخيرًا بأقل أخطأ وغفوات وهفوات ممكنة.

العزيمة (1939)

يعتبر هذا الفيلم هو البداية الحقيقية للسينما المصرية، صحيح أن بداية السينما المصرية قد بدأت قبل ذلك باثني عشر عامًا في عام 1927 بإنتاج فيلمي قبلة في الصحراء وليلى، ثم تم إتباعهما في العام 1932 بفيلم أولاد الذوات وكان هذا هو أول فيلم ناطق وقام ببطولته يوسف وهبي إلى جانب ليلى مراد، وتم بعده إنتاج أفلام كالوردة البيضاء من بطولة المطرب الشاب وقتها محمد عبد الوهاب، وأنشودة الفؤاد من بطولة المطربة نادرة، و وداد لأم كلثوم إلا أن كل هذه الأفلام تظل تجارب غير ناضجة، أو بعبارة أخرى “بث تجريبي” للسينما المصرية.. أما البداية الحقيقية فجاءت من خلال كمال سليم في العام 1939، حين أخرج فيلم العزيمة ليضع مصر في مصاف السينما العالمية ويبدأ بذلك عهد إدخال الواقع المصري والتعبير بالصورة والكادر عن واقع الطبقات المصرية ورصد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من خلال صوغها في قالب فني وحكاية درامية مسلية وممتعة.

لاسيما وأن هذا الفيلم قد تصدر قائمة أفضل مائة فيلم مصري متغلبًا على أفلام هامة مثل المومياء والحرام والبوسطجي والأرض وباب الحديد.. ربما اعترافًا من النقاد بالآفاق التي فتحها المخرج كمال سليم بفيلمه العزيمة إلى كل صناع السينما من بعده، خاصة وأن هذا الفيلم يعد من أوائل الأفلام التي أسست لما عرف فيما بعد في إيطاليا أوائل الأربعينات بمذهب “الواقعية الجديدة” في السينما.

فقد ظهرت لأول مرة في السينما الحارة المصرية بما تحويها من شخصيات ذات مستويات ثقافية متباينة وطبقات مادية واجتماعية مختلفة، وظهرت الأماكن الحيوية في الحارة كدكان الحلاق والجزارة، والمقهى تمامًا كما يبدو في الواقع المصري في ذلك الوقت، كما ظهرت الفروق الطبقية بين شرائح المجتمع، وتجلت أحلام البرجوازية الصغيرة في أحلام البطل “محمد” أو أحلام أهله وحبيبته.

ربما يرى البعض أن الحدوتة عادية جدًا، وربما لها بعد وعظي غير مباشر يحث على الكد والاجتهاد في الحياة -قد يراه البعض عيبًا ويراه الآخرون ميزة- .. إلا أن وجود فيلم بهذا الشكل في تلك الحقبة كان تكريسًا مبكرًا للتجريب والتدرج السريع في مراحل نمو صناعة السينما ورسوخ أقدامها.. ربما قد يتحفظ البعض على آداء الممثلين وتشنجهم في بعض المناطق، إلا أن سبب ذلك هو أنهم آتون من المسرح لذلك يغلب على آدائهم حس الإلقاء المسرحي الذي اعتادوا عليه، وأعتقد أن هذا الفيلم الرائد والذي لا ينبغي لأي مهتم بالسينما تفويته، وإهماله، واحد من أهم العلامات التاريخية البارزة في السينما المصرية.

بلغت تكلفة الفيلم 9 آلاف جنيه وحصلت فاطمة رشدي على أجر 260 وكان هذا أعلى أجر حصل عليه ممثل في حينها.

كما شارك فاطمة رشدي البطولة الفنان حسين صدقي، وأنور وجدي وعباس فارس وزكي رستم.

غرام وانتقام (1944)

الفيلم من بطولة يوسف وهبي وأسمهان وأنور وجدي وزوزو ماضي ومحمود المليجي ومن تأليف وإخراج يوسف وهبي.

يجب أن نعترف أن يوسف وهبي رائد من أهم رواد السينما المصرية والذين عملوا على تطويرها والمضي بها قدمًا، يكفي أن نعرف أنه من أنتج فيلم أولاد الذوات أول فيلم ناطق بالسينما المصرية، بمساعدة صديقه المخرج الرائد أيضًا محمد كريم، ولكننا هنا بصدد فيلم أرى أنه واحد من أهم كلاسيكيات السينما العربية.. تدور أحداثه في قالب إنساني معقد حول شخص يشتبه به في قتل خطيب مطربة مشهورة، ولكن الأدلة لا تكفي لإثبات التهمة عليه مما يدفع المطربة المشهورة للتقرب والتودد لهذا الشخص المشتبه حتى تقف بنفسها على الحقيقة وإن كان لهذا الشخص أي صلة بمقتل خطيبها، إلا أنها تكتشف أكبر مما كانت تتوقعه وتقع في حب هذا الشخص، وتحدث العديد من المفاجآت.

اللافت في هذا الفيلم، هو الحوار الذي كان من المفترض أن يكون بلغة عامية لكنها تكاد تكون أبعد ما تكون عن العامية، حيث إنها لغة عربية فصحى مصطبغة باليسير من العامية.. وتستطيع بسهولة لمس الرقي والكلاسيكية في كل جزء من أجزاء الفيلم.

غنت أسمهان أقوى أغانيها في هذا الفيلم مثل: “ليالي الأنس في فيينا، وامتى هتعرف، أنا اللي استاهل…” وتعاون معها من الشعراء والملحنين بيرم التونسي ومأمون الشناوي وأحمد رامي ومن الملحنين القصبجي ورياض السنباطي وشقيقها فريد الأطرش.

جدير بالذكر أن أسمهان قد لقيت مصرعها بالشكل الغامض الشهير، قبل الانتهاء من تصوير مشاهد الفيلم مما أجبر يوسف وهبي على الاستعانة بممثلة بديلة لتأدية بعض مشاهدها، والتحايل على السيناريو لإنهاء الفيلم.

وجدير بالذكر أن الملك فاروق قد منح يوسف وهبي لقب البكوية بسبب هذا الفيلم، وخصوصًا بسبب أغنية “أنا بنت النيل” التي تغنت بها أسمهان وكانت إحدى الأغاني الخاصة بالأسرة العلوية.

سفير جهنم (1945)

كما أشرت سابقًا فإن يوسف وهبي رائد في مجال السينما وأحد أهم ركائز هذه الحقبة إن لم يكن أهمها.. والحقيقة أنه قام بإثراء فترة الأربعينات بمجموعة من أعظم وأروع الأفلام والتي اعتبرت فيما بعد كلاسيكيات السينما العالمية، ليس في مجال التمثيل فقط، بل في مجال الإخراج والتأليف والإنتاج أيضًا حيث لم يدخر جهدًا في أي ناحية من أنحاء صناعة السينما، ومن أبرز هذه الأفلام: رجل لا ينام، وأبناء الفقراء، وكرسي الاعتراف.

وعلى الرغم من أن هذه الأفلام جميعها سادتها لمحة الوعظ الغير مباشر والمباشر أحيانًا بل إن بعضها كان يبدأ بآية قرآنية أو ببيت شعر مأثور كأننا على أعتاب خطبة جمعة، مع الكلاسيكية في التناول دون خصوصية معينة للبيئة المصرية.. خاصة وأن بعضها قد استوحى من مسرحيات عالمية أو معالجة لأعمال أدبية خالدة خصوصًا المسرح الإنجليزي الذي كان متأثرًا به وهبي بشدة.

إلا أنها تظل أعمالاً خالدة وعلامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، وعلى الرغم من ذلك إلا أن فيلم سفير جهنم من الأفلام التي أحبها بشكل شخصي وأراها جديرة بالتنويه. حيث أعتبر هذا الفيلم واحد ممن أدخلوا السينما العربية بوابة الفنتازيا والخيال.

تدور أحداث الفيلم باختصار حول “الشيطان” الذي يقوم بدوره الفنان يوسف وهبي ينصب حبائله حول أسرة فقيرة تعاني من ضيق الحال واعتلال الأجساد وشرود الأبناء والشقاق بين الزوج والزوجة.. حيث تعد هذه فريسة سهلة للشيطان حيث يجعلهم يتخلون عن إيمانهم وقناعتهم ورضاهم مقابل حياة رغدة فيها كل أنواع الرفاهية، تسوء حياة الأسرة أكثر على عكس ما توقعوه، فالزوج تأخذه حياة القمار والعربدة وإذا به يخسر كل ماله ويصبح مديونًا ومهددًا بالسجن أو الانتقام.. ويجد زوجته تتهاوى في علاقات مع شبان في عمر ابنها، دون احترام له ولا لسنها.

أما الإبن فيتورط في جريمة قتل بإيعاز من الشيطان أيضًا، والبنت تهرب مع رجل في عمر والدها.. لتنهار الأسرة.. ويتكشف وهم سعادة الشيطان الزائفة والتي هي جحيم -حسب نظرة الفيلم للأمر- متخفي.

وعندما يقرر عبد الخلاق التراجع يجد أن هذا خيارًا غير متاح ويصيبه الندم على ما اقترفه من البداية على ترك قناعته ومبادئه وأخلاقه وإيمانه، ليتبع خطوات الشيطان المهلكة.

على الرغم من تلك الرسالة المباشرة الفجة التي يحملها الفيلم إلا أنه ممتع جدًا على السبيل الفني.. كما أن هناك جزئية أخرى في الفيلم تفتنني هو أن الحوار في بعض أجزاءه يكون منظومًا على شكل جمل مسجوعة، مما يشبه المسرحية الشعرية، وهذه إحدى جماليات الفيلم التي جعلتني أضمه لقائمة الـ100 فيلم الذي يجب مشاهدتهم.

بسيناريو وإخراج مُحكمين و آداء متميز لشخصية الشيطان من يوسف وهبي يتخلله القليل من الآداء المسرحي للشخصية، وآداء رائع أيضًا من باقي شخصيات الفيلم شفيق نور الدين وفردوس محمد وفاخر فاخر وعبد الغني السيد وليلى فوزي ومحمود المليجي.

بموسيقى تصويرية رائعة من ابراهيم حجاج، وتلحين الأغاني من العباقرة السنباطي والقصبجي وعبد الغني السيد ومحمود الشريف.

غزل البنات (1949)

لا ريب أن أفلام نجيب الريحاني كلها تستحق المشاهدة، وكان من الممكن لأفلام مثل “سي عمر، وسلامة في خير، ولعبة الست” أن تجد مكانًا لها في قائمتنا هذه لولا ضيق المقام، لكن هذا الفيلم تحديدًا وهو الفيلم الأخير للريحاني بالمناسبة أكثر ما يستحق المشاهدة مطلقًا، ولن أكون بالمبالغة التي تدفعني أن أقول أنه وصل إلى العالمية سواء في الآداء أو القصة أو الإخراج.
تدور أحداثه حول مدرس لغة عربية متقدم في السن يقوم بالتدريس لفتاة جميلة عذبة الصوت، ولكنه لا يلبث إلا أن يجد نفسه واقعًا في غرامها.. مما يسبب له العديد من المشكلات حيث أنه يسارع دائمًا إلى حمايتها والاعتناء بها.

الفيلم يدور في قالب “الحب من طرف واحد” أو “الحب المستحيل” حيث الأستاذ حمام هو مدرس لا يجد قوت يومه ويظهر جيدًا من هيئته أنه فقير مهموم منطفيء الملامح مغضن الوجه، بينما تلميذته فتاة جميلة صغيرة السن رائعة الشكل عذبة الصوت علاوة على أنها بنت الباشا، يظهر الفيلم مدى التضاد بين الشخصيتين لدرجة اختلافهما في كل شيء تقريبًا، ويرصد العذاب الذي يعاني منه أستاذ حمام وهو يصطلي بنار القرب من محبوبته بينما هي لا تشعر به مطلقًا.
ويستعين بضابط (أنور وجدي) يحاول تخليصها من مشكلة ما من مشكلاتها التي لا تنتهي بسبب طيشها وتهورها لحداثة سنها.. إلا أنها تقع في حب الضابط والذي يكتشف أنه يبادلها نفس المشاعر مما يزيد عذاب أستاذ حمام وآلامه التي يكتمها في صدره ولا يبوح بها أبدًا.. إلا أن أخيرًا القلب العاشق المعذب يبوح بالسر على شكل دموع يطلقها بلا وعي عندما يستمع لأغنية “عاشق الروح” من محمد عبد الوهاب في منزل يوسف بك وهبي الذي يظهر بشخصيته الحقيقية في الفيلم كضيف شرف، تمامًا كعبد الوهاب الذي لا يظهر إلا لغناء أغنية الفيلم فقط.

يجد أستاذ حمام في أغنية عبد الوهاب سلواه وعزاءه حيث أنه تعبر عنه تمامًا حيث تقول كلماتها التي كتبها الشاعر الرائع حسين السيد:

“ضحيت هنايا فداه..”

“أنور شمعتي لغيري، ونارها كاوية أحضاني”

لا شك أن دموع المشاهدين قد انهمرت أيضًا على أثر دموع الريحاني في هذا المشهد.. أنا شخصيًا أتأثر في كل مرة أشاهد فيها الفيلم، لقد قام الريحاني بآداء تمثيلي لا شك أنه صنع التباسًا في نفوس من شاهدوه، حيث أنهم لم يحددوا مشاعرهم بعد هل يضحكون بهيستيرية على تصرفاته المأساوية أم يبكون بحرقة من أجل بؤسه!

لقد صنع الريحاني مأساته في هذا الفيلم بشكل لم ينجح أحد بعده أن يبلغ مستواه.

أظن أن الفيلم في مجمله عظيم وكتابته من قِبَل أنور وجدي ورفيق مشوار الريحاني الفنان بديع خيري رائع، ورؤية أنور وجدي الإخراجية كانت متفهمة واعية شديدة الفنية والشاعرية.. وكذلك آداء باقي الممثلين ليلى مراد وأنور وجدي وسليمان نجيب ومحمود المليجي وعبد الوارث عسر، أما عن أغاني الفيلم فحدث ولا حرج.. أيقونات موسيقية.

لكن آداء الريحاني كان عاصفًا.. عاصفًا بكل شيء.. ربما كان يريد أن يتوّج حياته التي كانت مزيجا مكثفاً من المآسي والأفراح، بهذا الآداء المضحك بشدة، المبكي بحرقة.

جدير بالذكر أن الريحاني قد توفي قبل إنهاء الفيلم بفترة قليلة.

وجدير بالذكر أيضًا أن الفنانة هند رستم قد ظهرت لأول مرة في هذا الفيلم ككومبارس صامت حيث أدت دور إحدى الفتيات الراكبات على الأحصنة أثناء غناء ليلى مراد لأغنية “اتمختري واتمايلي ياخيل”.

بيومي أفندي (1949)

يبدو أن هذه الحقبة كتب عليها اسم يوسف وهبي، والحقيقة أن هذا الفيلم يستحق المشاهدة فعلاً، لكم المعاني الإنسانية التي يحتويها.

بيومي افندي ساعاتي مخلص في منطقة الموسكي بالقاهرة، يحب عمله ويحب الناس لذلك يحبونه هم أيضًا ويثنون عليه لدرجة أنه يترك دكانه ويذهب للصلاة دون خوف لأنه في حمايتهم، ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه.

بسبب طيبته ودماثة أخلاقه يقع في شباك الخادمة “زبيدة” (ميمي شكيب)، والذي لا يعرف أنها قد حملت سفاحًا من سيدها (فريد شوقي) الذي يرفض الاعتراف بها بسبب وضعه الاجتماعي ومركزه، تتزوجه سريعًا لتنجب ابنها نبيل بعد سبعة أشهر ورغم ذلك إلا أنه لا يشك ويقوم بإحاطة نبيل بكل حب وحنان ورعاية.

برتقي بيومي أفندي طبقيًا ليصبح رجل أعمال ثري، وفي يوم ما يطلب الباشا الأب الحقيقي للإبن مقابلته وهو على فراش الموت ليبوح له بالسر الذي يكتمه كي يعفو الله عنه.

يُصدم بيومي أفندي في البداية ولكنه يعزم في قرارة نفسه أن لا يبوح بالسر لأحد، ويظل يكتم السر في صدره دون أي تغيير في معاملته لنبيل، ولكنه يجد في نفسه حبًا لابنته زينات وتدليلاً لها في المقابل، ويعرف أن هناك انجذابًا بينها وبين أحد الشبان، ولكن هذا الشاب رغم اجتهاده ودماثة خلقه.. مرفوع عليه قضية إثبات نسب من أشقائه لحرمانه من الميراث، مما يجعله مواجهًا بالرفض من قبل والدة زينات، وشقيقها نبيل والذي يعد الآن من علية القوم بسبب ثراء والده..

يظل بيومي مضغوطًا مغتاظًا مما يفعله نبيل و والدته.. وأخيرًا يفجر في وجههم السر الذي كتمه في صدره لسنوات.. مسببًا انهيارًا لزبيدة وشرودًا وتيهًا لنبيل.

ولأنني لا أؤيد أن يكون للفيلم رسالة واضحة أو هدف مباشر -لا سيما وإن كان أخلاقيًا- يريد أن يصل إليه أو يوصله للمشاهد في النهاية، إلا أنه راقتني رسالة الفيلم والتي محتواها أنه إن كنتم تحسبون أن الآخرين قذرون. فإنكم أكثر قذارة مما تظنونه عن أنفسكم بكثير.

الفيلم رغم ذلك لا يعدم عناصر المتعة والصورة والحوار والآداء الراقي من الممثلين لا سيما يوسف وهبي بآدائه الأنيق والذي يصطبغ بالصبغة المسرحية في بعض المناطق.

وبـ “بيومي أفندي” نكون قد أغلقنا حقبة الأربعينات وإلى اللقاء في المقال القادم الذي ندخل فيه حقبة الخمسينات والتي أعتبرها ذروة سينمائية عظيمة في رحلة السينما المصرية، انتقلت فيها السينما إلى طور جديد من أطوار النضج والإبداع والجمال.

ريا وسكينة – 1952

عرض  فيلم ريا وسكينة من إخراج صلاح أبو سيف 1952. بدخول فترة الخمسينات، دخلت السينما المصرية أيضًا مرحلة جديدة من مراحل النضج والتطور.. حيث كان في البداية يتم الإعتماد على “الحدوتة السينمائية” أو “القضية” التي يعالجها الفيلم أو يثيرها أو يناقشها كأهم الأسس إن لم يكن الأساس الوحيد الذي يعتمد عليه الفيلم بشكلٍ عام، إلا أنه بدخول الخمسينات، تم إستعمال أدوات أخرى إلى جانب السيناريو، أو قصة الفيلم.. وهو اللعب بالصورة والإضاءة.. رغم فقر الإمكانيات وقتها، إلا أن مخرجًا مثل صلاح أبو سيف والذي يعتبر رائد الواقعية في السينما المصرية، إستطاع بأقل الإمكانيات أن يخدم السيناريو بواسطة زوايا الكاميرا وطريقة التصوير، وخفوت الإضاءة أو تأرجحها، بل ولقطات المونتاج السريعة، وإنتقال الكاميرا من لقطة لأخرى، وإستعمال رموز مثل براد المياه الموشك على الغليان، تأرجح المصباح الذي يدل على تأرجح رأس الراقصة بفعل المخدر مصحوبًا بإهتزاز الكاميرا بشكل مدروس معبرًا عن إهتزاز جسدها وهي ترقص ورأسها على حد سواء؛ وإستطاع أبو سيف أن يعبر بهما عن رؤيته السينمائية للحكاية.. وأن ينتقل بدور المخرج من “تنفيذ” السيناريو المكتوب وإحالته إلى حركات وأحداث على أرض الواقع، إلى “رؤية وبصيرة” تستطيع النفاذ داخل السيناريو، ومزج عناصر القصة بالذاكرة البصرية والوجدانية داخل المخرج لإبرازها على الشاشة في أفضل صورة، وأجملها -حتى وإن كان هذا الجمال يحتوي إلقاء الضوء على عناصر سلبية

لقطة توضح عبقرية صلاح ابو سيف في استخدام كادرات التصوير لإبراز الجانب الإجرامي داخل القائمين بأدوار ريا وسكينة وحسب الله وعبد العال (الصورة من الحساب الشخصي للناقد محمود عبد الشكور على الفيسبوك) كما أن الفيلم قام بأخذ السينما المصرية خطوات للأمام بمعالجة القضايا التي لطالما شغلت الرأي العام ورجل الشارع.. لا في شكل تسجيلية أو وثائقية متحفظة، بل في قالب درامي صرف وحدوتة سينمائية مسلية وممتعة.

ورغم أن صلاح أبو سيف لم يلتزم تمامًا بالقصة الأصلية أو يعطيها كافة الاهتمام، بحيث أن الفيلم قد جانب الحقيقة في معظم أحداثه، مستعيضًا عن تفاصيل القصة الأصلية، بتفاصيل أخرى رآها سوف تخدم بنية العمل الدرامي، وتزيد من متعته ومن حبكة الأحداث.. إلا أن صلاح أبو سيف أجاد في إبراز مدينة الإسكندرية تمامًا كما كانت في العشرينات، بأسواقها وخماراتها وشوارعها.

جدير بالذكر أن القصة لنجيب محفوظ والسيناريو لصلاح أبو سيف، وقام ببطولة الفيلم أنور وجدي وشكري سرحان وفريد شوقي ونجمة ابراهيم وزوزو حمدي الحكيم ورياض القصبجي وسعيد خليل وبرلنتي عبد الحميد.

وقد كان هذا الفيلم هو أول ما عالج قضية ريا وسكينة الشهيرة، وبشكل جاد، حيث أنه تم بعده معالجة القصة بشكل كوميدي كفيلم “اسماعيل يس يقابل ريا وسكينة” و “ريا وسكينة 1983” لشريهان ويونس شلبي، ويعد هذا العمل هو أضعف الأعمال التي تناولت القصة، ثم مسرحية “ريا وسكينة” للجميلة شادية، وسهير البابلي وأحمد بدير وعبد المنعم مدبولي، وأخيرًا تم تناول العمل في مسلسل في العام 2005 من بطولة عبلة كامل وسمية الخشاب، مأخوذ عن كتاب “رجال ريا وسكينة” لصلاح عيسى.

جعلوني مجرمًا 1954

السينما تحاكم المجتمع.

في الحقيقة لا أكتب عن هذا الفيلم وحده، بل أكتب عن فيلمين يشتركان في الموضوع ذاته وفي اسم البطل نفسه ومن بطولة نفس الممثل.

الفيلم الأول هو صاحب العنوان.. جعلوني مجرمًا، هذا الفيلم كان من أوائل الأفلام التي بحثت في الأسباب النفسية للمجرمين ودفعت الجمهور للتعاطف معهم، ليس هذا فحسب.. بل إدانة الجمهور ذاته وتوريطه في ذنب المجرم ولو بشكل غير مباشر.

جعلوني مجرمًا هو الفيلم الذي أعطى صفة البشرية للمجرمين ولم يجعلهم هؤلاء “الآخرون”.. الذين لا نعرفهم ولا يعرفوننا.. بل جعلهم المذنبون الضحايا، ولام على المجتمع قبل أن يلوم على المجرم.. بأن أخذ عليه قسوته وجلافته التي  صنعت المجرمين ودفعتهم إلى هذا الطريق..
يلجأ “سلطان” بطل الفيلم إلى الحل الفردي بقتل السبب الرئيسي الذي دفعه إلى طريق الإجرام.. وهو عمه زهران الذي أنكره وأنكر حقه في ميراث والده ورفض حتى مساعدته للعثور على عمل شريف، مما دفعه لدخول إصلاحية الأحداث.. والخروج منها شابًا لا يجد وظيفة بسبب تخرجه من الإصلاحية.. وحتى عندما يجد عمل بسيط يكسب منه ملاليم، فإنه بإيعاز من عمه مرة أخرى يطرد من عمله ويعود مرة أخرى لسكة الإجرام، ويتم سجنه ظلمًا في جريمة قتل دبرها عمه أيضًا.. وعندما ينكشف القاتل الحقيقي، يكون سلطان قد تورط في قتل عمه بالفعل.. ليصرخ في المشهد الرئيسي في الفيلم: 

“دلوقتي بس بقيت بريء؟ للأسف عدالة المجتمع اتأخرت عليا كتير، غمضت عينيها ومفتحتهمش إلا لما بقيت مجرم قاتل.. إرجعوا للبوليس وقولوله إن سلطان غني عن البراءة، سلطان بقى في إيده مسدس واتعلم ازاي يدوس ع الزناد، سلطان قلبه اتحجر ومش هيرحم حد أبدًا أبدًا أبدًا”

أخرج هذا الفيلم عاطف سالم عن قصة لفريد شوقي وسيناريو لنجيب محفوظ ورمسيس نجيب.
وجدير بالذكر أن هذا الفيلم قد شهد بداية المخرج سعد عرفة والد المخرجين شريف عرفة وعمرو عرفة حيث عمل كمساعد لمخرج الفيلم عاطف سالم.

أما الفيلم الثاني فهو “سلطان 1958” يتحدث عن طفلين في نفس السن تقريبًا أحدهما عصام (رشدي أباظة) من عائلة راقية لأب لواء وأم سيدة مجتمع وآخر سلطان (فريد شوقي) ابن أسرة فقيرة لزوج أم غفير وأم مغلوبة على أمرها.. ابن الأسرة الراقية الذي ينعم بحنان الأسرة المترابطة، دائمًا ما يرمي بمصائبه وأفعاله على سلطان لدرجة أنه قام بسرقة “عملة فضية” من محفظة الأم ويقول أن سلطان هو من أخذها فيعاقبه زوج أمه بالربط في النخلة والضرب المبرح.. وتنطبع من لحظتها صورة الأزرار الفضية لرداء الغفير كدليل على الظلم والعنف ومن وقتها وكلما رأى شخصًا يرتدي أزرار فضية يجعله ذلك مستثار الأعصاب..

بسبب الظلم الذي يتعرض إليه سلطان في حياته يسلك مسلك الإجرام، بينما يسلك ابن اللواء عصام، مسلك والده ويصبح ضابطًا.

يلتقيان في مواجهة أخيرة ينتج عنها مقتل سلطان، ونجاة عصام..

يشترك الفيلمان في مصير واحد لـ “سلطان” حيث سلطان جعلوني مجرمًا قـُبض عليه بواسطة العدالة التي تأخرت عنه فجعلته مجرمًا.. و سلطان الآخر، قـُتل بواسطة الضابط المكلف بالتخلص منه وهو نفسه الشخص الذي كان أحد أكثر من دفع سلطان لسلوكه الإجرامي.

يشترك الإثنان في نفس المصير لنفس الشخص.. المصير المأساوي دون عزاء، مع حفظ كافة الحقوق بالطبع لأبناء العائلات الأثرياء وتمتعهم بكافة المزايا بل وتنزههم عن أي خطأ أو نقيصة بإلقائها على من هم أقل منهم طبقيًا.

جدير بالذكر أن فيلم جعلوني مجرمًا مأخوذ عن قصة حقيقية لفتى في الإصلاحية، كان سببًا في تغيير قانون الصحيفة الجنائية حيث تم إلغاء السابقة الأولى لإعطاء فرصة للمـُفرج عنه أن يبدأ حياة جديدة.

حياة أو موت 1954

كلنا طبعًا يذكر النداء العاجل:

“إلى أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس، لا تشرب الدواء؛ الدواء فيه سم قاتل”

أخرج هذا الفيلم المبدع كمال الشيخ بينما كان شابًا لم يبلغ الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد كتب قصته أيضًا والسيناريو بينما كتب الحوار علي الزرقاني

كان كمال الشيخ قد أخرج من قبل فيلمين هما المؤامرة، والمنزل رقم 13، وبقدر ما اتسما الفيلمين بطابع من التشويق والإثارة واللمحة البوليسية جعلت البعض يطلق على كمال الشيخ “هيتشكوك” المصري، إلا أن حياة أو موت الفيلم الثالث في مسيرة كمال الشيخ المخرج، جاء مزيجًا ما بين التشويق والإثارة وبين الإنسانية والشاعرية، يبدأ الفيلم بساعة ذات بندول تدق لتهييء المشاهد لما هو مقبل عليه، يعرض لنا بعد ذلك لقطات حية من شوارع وسط القاهرة المزدحمة عن آخرها تحديدًا من شارع طلعت حرب (سليمان باشا سابقًا) وهو يعج بالمارة من كل الأطياف والأجناس ومن كافة المستويات الاجتماعية والمادية، مخبرًا بصوت خارجي رزين أن اليوم هو وقفة العيد والناس يتشوقون لملاقاة فرحة العيد، رغم أن هناك الكثير من الأحزان والهموم تملأ صدور الناس.. من بينهم هذا الرجل

ويظهر في الصورة عماد حمدي وهو مفلس بلا عمل ولا يوفق في صرف مكافأة نهاية خدمته من الشركة التي كان يعمل بها، فيضطر إلى بيع ساعته لبائع مستغل لشراء فستان لابنته.

تصاب الابنة بخيبة أمل لأن والدها لم يتمكن من شراء خروف العيد لها، مما يزود آلام الأب أكثر.. فينفجر في زوجته التي تحاول إقناعه بقضاء العيد عند أهلها بسبب ضيق ذات العيد وعدم وجود أي نقود بحوزتهم.. مما يتسبب في هجر المرأة لزوجها وذهابها لبيت والدها رغم ذلك تمكث البنت الصغيرة مع والدها، ويظهر في مشاهد بعينها الحنان البالغ الذي يعامل به الأب ابنته والرقة البالغة والمحبة الفياضة التي تتعامل بها البنت مع والدها (الحقيقة أعترف أن هذه المشاهد فجرت بداخلي مشاعر الأبوة الميتة حد التحلل) ويخبر الأب ابنته أنه سيذهب بعد العيد للعمل عند رجل لا يحبه لكن من أجل أن يجد نقودًا للإنفاق عليها سوف يذهب للعمل معه.

كل هذا تهييء عاطفي للمشاهد واستدراجه للتعاطف مع الابنة و والدها، ورفع درجة التأهب والتوتر القصوى عند المشاهد حتى يتم إنقاذ هذا الأب، وإنقاذ البنت من زحام وسط القاهرة.
يصاب الأب بنوبة قلبية يقرر على أثرها النزول للدواء إلا أنه يعجز عن مواصلة الطريق فتعرض البنت أن تذهب هي لجلب الدواء.. لا تجد صيدليات مفتوحة فتضطر إلى الذهاب إلى ميدان “العتبة” البعيد.. وبالفعل تصل إلى الصيدلي الذي يكتشف أنه قام بوضع تركيبة خاطئة في الدواء قد تؤدي إلى موت من يتناوله فيبدأ في محاولات مستميتة لإنقاذ المريض الذي حتى لا يعرفه ولا  يعرف عنوانه مما يزيد الأمر صعوبة ويزيد الفيلم إمتاعًا وتشويقًا، لتصحبنا البنت الصغيرة – أدت الدور باقتدار الطفلة ضحى أمير- طوال الفيلم في رحلة مليئة بالتوتر والتشويق والإثارة ليجد المشاهد نفسه يشاركها خوفها وهلعها، وليس خوفها وهلعها فحسب.. بل خوف الأب عليها وقلقه لأن البنت تأخرت (طبعًا لو كان هناك هواتف محمولة وقتها لكان حادثها لتخبره على الفور أنها اضطرت للذهاب لمنطقة “العتبة” من أجل الدواء)

لنشهد 75 دقيقة من فيلم رائع ومشوق وإنساني يحتوي على خلطة سحرية كانت كفيلة لدفع الفيلم للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، واقتناص جائزة المركز الكاثوليكي وجائزة الدولة، ولعل الجائزة الأكبر كانت للسينما المصرية كلها حيث أن هذا هو أول فيلم يصور في الشوارع بشكل كامل، دون بناء ديكورات في الاستوديوهات، وغامر المخرج كمال الشيخ والمنتجة آسيا داغر مغامرتين، أولهما هو المخاطرة بتصوير الفيلم في أماكنه الطبيعية وتحديدًا منطقة وسط المدينة المزدحمة وسط المواطنين الغير معتادين تمامًا على الأمر مما يجعل الأمر أكثر صعوبة.

وبإسناد معظم مشاهد الفيلم لطفلة صغيرة لأول مرة تقوم بالتمثيل في حياتها.

فيلم من أجمل الأفلام التي من الممكن أن تشاهدها ممتزجًا بروح الشارع المصري الطيبة الممتزجة ببعض القسوة والتي تجعل من وجود فتاة صغيرة لفترة طويلة به، مغامرة غير محسوبة النتائج.

أخيرًا يتم إنقاذ البطل عماد حمدي بواسطة زوجته.. وبجهود رجال الشرطة ليكون مشهد النهاية حكمدار القاهرة شخصيًا (يوسف وهبي) وهو يقول لمديحة يسري بصوته الجهوري الرصين:

“واجبنا ياهانم السهر على خدمة الجمهور”

شباب إمرأة – 1954

لا شك أن هذا الفيلم واحد من أعظم الأفلام التي من الممكن أن تشاهدها في حياتك، وربما سيكون أكثر ألفة لأنه مرتبط بشكل كبير ببيئتنا المصرية خصوصًا والعربية عمومًا.. كان هذا الفيلم من أوائل الأفلام الذي ألقى الضوء على منطقة الرغبة الجنسية عند الإنسان بشكل مباشر -بغض النظر عن زاوية التناول، وعن الموعظة الباردة المتصدرة بداية الفيلم عن أن الفيلم رسالة تحذير لأهالي المغتربين في القاهرة، والتي أرى أن صناع الفيلم لم يقصدوها  مجرد استمالة لقلوب العامة تجاه السينما والتي لم تكن حسنة السمعة إلى حد كبير وقتها- ، وتناول الفيلم بوضوح أزمة القروي في المدينة ونظرة أهل الأرياف للعاصمة وبنات العاصمة وزحام العاصمة.

فيلم شباب امرأة إخراج صلاح ابو سيف 1956 يبدأ الفيلم بلقطة عبقرية من صلاح أبو السيف لأقدام آدمية تسير تتبعها حوافر، ليتضح أنها امرأة تجر جاموسة.. ثم يظهر شخص آخر في الكادر يخرج نقودًا ويضعها في يد المرأة بشكل فيه من الضعة ما فيه، استطاع أبو سيف إجادة هذا المشهد خصوصًا عند عودة المرأة بالحبل التي كانت تجر به الجاموسة فارغًا ومشهد وهي تربت على ظهر الجاموسة في حنو بالغ وكأنها تبيع أحد أبنائها وفرار دموعها رغمًا عنها وهي تنظر للجاموسة النظرة الأخيرة، وربما هذه النقطة قد يُتهم فيها أبو سيف بالمبالغة، ولكنهم حقيقة لا يفهمون نفسية الفلاح تجاه أنعامه، حيث يعتبرهم من أفراد الأسرة لا مجرد حيوانات إنتاجية، وفراقهم قد يصحبه غصة في الحلق وألم نفسي كبير.

أجاد أبو سيف أيضًا من خلال مشهد تجهيز الابن “إمام” للسفر لإتمام دراسته الجامعية في التعبير عن رعب القروي من القاهرة الممتزج بإكباره وتقديسه لها، بصفتها بوابة الحياة والحقل المثالي لتحقيق حلم الصعود الطبقي وتجنب مصير الفلاح ابن الفلاح والانضمام لطبقة الأفندية المحترمة ذات الشأن في كل المجتمعات.

في المشهد التالي، يروي صلاح ابو سيف دون كلمة من خلال الصورة انبهار “إمام” (شكري سرحان) المكتوم بالقاهرة وتماثيلها وعماراتها ونصبها.. يبدأ بعرض لقطة لتمثال رمسيس ثم لقطة أخرى لبنيان شاهق ثم لقطة لتمثال ابراهيم باشا، وأخيرًا يضيق الكادر ويتسع على مسجد محمد علي بالقلعة وتنتقل الكاميرا لعيني إمام المترقبة، كأنها رؤيته القروية الضيقة تنفتح على براح المدينة ذات القباب العالية الشاهقة.

المشاهد الجنسية التي كان ولابد منها في الفيلم، تم إخراجها بأفضل شكل ممكن، بل وربما كان رائدًا في وقتها لا سيما وأن السينما لا زالت تتحسس خطواتها وسط مجتمع متحفظ بالأساس، فاستطاع أبو سيف إخراج المشاهد بشكل لا يخل بالرؤية الفنية البحتة، ولا يجعل هذه المشاهد فجة تجرح المشاهد العادي.

ربما برع في استخدام الرموز للتعبير عن مشاهد بعينها، مثل استخدام ساقي شفاعات للتعبير عن الإغراء.. استخدام صوت غليان وابور الجاز عند إمام للتعبير عن غليان الرغبة المحمومة داخل شفاعات.. مشهد دوران البغل اللانهائي في الطاحونة الذي يأتي مباشرة بعد مشهد سقوط إمام في دائرة إغواء شفاعات.. مشهد إمام وهو يتبع شفاعات إلى المأذون بشكل شبه إجباري، وفي الكادر مشهد لامرأة تجر خروف..

وأحيانًا تأتي هذه الرمزية مباشرة واضحة، فبعد خروج إمام من دائرة شفاعات.. لكنها تنجح في إعادته إليها مرة أخرى، مما يزعج حسبو وهو واقف أمام البغل قائلاً: “أصل البغل قطع الغـُما بتاعه” (عصابة العين)

مما يجعل شفاعات ترد قائلة: “هصلحهوله أنا بإيدي”

أخيرًا، يدرك إمام أنه لم يكن إلا حسبو لاحق ويدرك حسبو أنه لم يكن إلا إمام سابق.

وينتهي الفيلم بمشهد النهاية الملحمي، ليقدم لنا صلاح أبو سيف عمل من أعظم الأعمال التي من الممكن أن تشاهدها في حياتك، وكان كفيلاً بأن يمثل مصر في المسابقة الرسمية لمهرجان كان.
تحية كاريوكا ممثلة قديرة أدت دورها بعظمة فائقة، كذلك شكري سرحان وعبد الوارث عسر.. وحتى المرور اللطيف لشادية والذي أفعم الفيلم بالبهجة والألق.

الفتوة – 1957

لازلنا في ساحة صلاح أبو سيف الواقعية لم نبرحها، وعندما نقول هنا أن صلاح أبو سيف هو رائد الواقعية في السينما المصرية، فإننا لا نعني على الإطلاق السينما التسجيلية أو توثيق بارد للواقع.. بل دفع السينما إلى الحياة مباشرة واشتباكها مع الواقع، بإدراج تفاصيله اليومية في أفلامه فتصطبغ ببريق السينما الساحر وسحرها الآخاذ الذي يستولي على أذهان وقلوب عشاقها.

يبدأ الفيلم بصفعة على قفا هريدي القادم من الصعيد إلى القاهرة بحثًا عن لقمة العيش، ليصطدم بأباطرة سوق الخضار والفاكهة والصراع الدائر الدائم الذي يطحن من يتهاون أو يضعف، ويسحق من يتعثر تحت أرجل المتصارعين.

يتحمل هريدي شظف العيش، وتسلّط أباطرة السوق وعلى رأسهم المعلم الأكبر “أبو زيد” لدرجة أنه يجر العربة الكارو بنفسه بدلاً من الحمار ويبيع عليها البطيخ، ينقل إلينا أبو سيف تفاصيل هذا المشهد وعرض لقطات لقدمي هريدي الحافيتين، وهي تخوض في الطين وأوحال الطرقات، بينما يجر العربة الثقيلة وحمولتها، بصبر وأناة.. ليس فقط على جره للعربة، بل على سخافة بعض الزبائن لدرجة أن المرأة تفتح البطيخة وتتذوقها وترميها في وجهه لأنها لا تعجبها.

مشهد رائع كان كفيلاً بأن يجعله صلاح أبو سيف أفيشًا لفيلمه..

يبدأ هريدي في الترقي شيئًا فشيئًا لا سيما مع تودده وقربه من حسنية الملدوغة من قبل من بطش أبو زيد وجبروت زبانيته، يتزوج هريدي من حسنية ويصبح بعد فترة معلمًا كبيرًا ينافس أبو زيد ولكنه يتبدل حاله ويسير في طريق أن يصير أبو زيدًا جديدًا في السوق.

تحتدم المنافسة بينه وبين أبو زيد وتتصاعد الأحداث بمهارة فائقة من صلاح أبو سيف في حفاظه على بنيان الفيلم وإمساكه بكافة خيوط القصة، ودفع الأحداث إلى تصاعد وتوتر حتى تحدث المواجهة الحتمية بين هريدي وأبو زيد.. اللذان يحبسان في الثلاجة، ويختنقا.

ينتهي الفيلم بـ “هريدي” آخر يتلقى صفعة عند دخوله السوق لكن بملامح مختلفة واسم مختلف، وحسنية أخرى.. ليوحي أبو سيف برؤيته بديمومة الصراع وأن الوجوه قد تتبدل لكن الحرب لا تخمد.. وأنه قد تنتهي جولة من الجولات، لكن تبقى المعركة أبدًا، لا تنتهي..

آداء أكثر من رائع من بطلي الفيلم زكي رستم وفريد شوقي في مباراة تمثيلية رائعة بينهما، وتألق معتاد من تحية كاريوكا.. مع حوار محكم من السيد بدير فنان كتابة الحوار في هذه الفترة.

أخذ الفيلم عن قصة حقيقية لتاجر شهير اسمه الحاج زيدان كان له علاقة بقصر الملك قبل ثورة يوليو ولقي حتفه على يد مجهولين حيث أطلقوا عليه النيران في العام 1952، ليردوه قتيلاً.

إنت حبيبي – 1957

ما هو تعريف الفيلم الكوميدي؟

أعتقد أن تجتمع فيه عناصر الفيلم الكوميدي، وتتضافر ويتم الاعتماد على جميع هذه العناصر لتشكل حالة من خفة الظل والكوميديا المثيرة للضحك التي يحملها الفيلم.

لا أن ينصب الاعتماد الكلي على عنصر واحد، وتقف باقي العناصر موقف المكملات أو المثيرات للحدوتة.

في هذا الفيلم، نحن أمام سيناريو رائع من كتابة أحد أهم أعمدة السيناريو في هذا الوقت، إن لم يكن أحد أهم كُتاب السيناريو في تاريخ السينما المصرية ككل، هو السيناريست أبو السعود الإبياري كانت فكرة الفيلم كفيلة بتوليد العديد من المفارقات الكوميدية والمواقف المضحكة، فزادها سيناريو الإبياري خفة على خفتها وطرافة على طرافتها.

يحكي الفيلم عن فريد وياسمينا، أبناء عمومة ومضطران للزواج من بعضهما البعض بسبب وصية عمهما التي تشترط زواجهما مقابل استلام الميراث، مما يضطر والد فريد و والد ياسمينا إلى الضغط عليهما للزواج.

ولكن فريد مرتبط بنانا الراقصة والتي يتبين فيما بعد أنها طامعة في نقوده، وياسمين مرتبطة بسمسم مهندس البترول والذي ينتظره الثراء الفاحش عند خروج البترول من أرضه.

فيضطران بعد ضغط إلى الزواج الصوري لحين إتمام إجراءات استلام التركة ثم الطلاق ليذهب كلا منهما إلى من يحب.

يتم الزواج ويسافران إلى أسوان لقضاء شهر العسل، وشيئًا فشيئًا مشاعر الكراهية تتحول إلى مشاعر حب قوية.

ميزة هذا الفيلم كما أوضحت سابقًا أنه يستغل كل عناصر الفيلم لإطلاق الضحكات حتى ولو كانت هذه العناصر كومبارس أو شخصيات غير مؤثرة..

مثلاً في أول الفيلم يأتي بائع اللبن لأخذ 3 جنيهات مستحقة له عند عائلة والد فريد.. ويكونوا واقفين على مقربة منه رغم ذلك يخبروه أن يقول ما يريد بصوت مرتفع ظنًا منهم أن فريد سيستيقظ بهذا الشكل.

فيسأل صبري والد فريد زوجته: “معاكي 3 جنيه يابهيجة؟”

فترد بهيجة: “لأ..” وتسأل الخادم “معاك 3 جنيه ياعبدو؟”

فيجيب الخادم: “لأ” ويسأل بائع اللبن: “معاك 3 جنيه يابتاع اللبن؟”

المشهد كله من أوله لآخره مضحك جدًا..

وفي مشهد آخر تقوم ياسمين بتعريف فريد زوجها المؤقت، وسمسم حبيبها وزوجها المستقبلي ببعضهما قائلة: “دا فريد جوزي، ودا سمسم خطيبي”

مما يفقد سفرجي المطعم اتزانه ويتقدم للمدير قائلاً: “ممكن آخد أجازة؟”

فيسأله: “ليه؟”

“عايز أكشف على عقلي”

ويتتابع الفيلم في مواقف غاية في الفكاهة والكوميديا وخفة الظل، بإخراج متفهم جدًا ورؤية واعية لهدف الفيلم وهو الإضحاك من العالمي يوسف شاهين، وتوجيه ذكي للممثلين ربما نراهم للمرة الأولى بمثل هذا الآداء الاحترافي.

_ رغم تصريح جو بعدها بسنوات عن عدم رضاه عن هذا الفيلم معتبرًا إياه من الأفلام التجارية_
إلا أنني أعده واحدًا من أهم الأفلام الكوميدية التي أنتجت في تاريخ السينما.

وقد احتوى الفيلم على عدد من الأغنيات الرائعة أحبها جميعًا على المستوى الشخصي مثل: “ميكونش دا اللي اسمه الهوى” لشادية، و “أحلفلك متصدقشي” لفريد الأطرش، والأغنيات المشتركة بينهما مثل الأوبريت خفيف الظل والذي حُفر في ذاكرة الأجيال: “ياسلام على حبي وحبك” .. و “زينة والله زينة”

فيلم جميل وخفيف الظل يليق بشخصين يقتسمان أريكة واحدة ويفرغان ذهنهما في الـweekend من تعب الأسبوع الفائت وإرهاقه، بمشاهدة هذا الفيلم.

الوحيدون يمتنعون، يمكنهم مشاهدة أفلام ميلودرامية مأساوية مبكية.

إسماعيل يس في مستشفى المجانين -1957

سواء أحببت اسماعيل يس أم لم تحبه، فلا شك أنه واحد من أهم الممثلين الذين مروا من باب تاريخ السينما العربية، قد تختلف على موهبته وقدرته على الإضحاك، قد تختلف على طريقته وأسلوبه الآدائي والتمثيلي، أو نوع الكوميديا التي يقدمها.. لكن يظل اسماعيل يس واحد من أهم رواد الكوميديا في السينما المصرية.

أتذكر وأنا طفل مرة بكيت لأنني لم أجد اسم اسماعيل يس في تترات فيلم كان على وشك البدء.. وابتهجت عندما رأيت اسمه فجأة.

كان عرض أفلام مثل: حرام عليك، واسماعيل يس في الأسطول، والفانوس السحري، واسماعيل يس بوليس سري،…. وغيرها كفيلًا بأن تجعل هذا اليوم عيد قومي، يرقص الكل فيه فرحًا وابتهاجًا.

ربما كبرنا وأدركنا قليلاً أن الأمر كان يأخذ لدينا كأطفال أكثر من حجمه، وربما كان يناسب المرحلة العمرية لدينا..

إلا أن أدراكنا هذا لم يطل كل الأفلام مثل هذا الفيلم الذي نحن بصدده الآن، فيلم اسماعيل يس في مستشفى المجانين..

هذا الفيلم هو الكوميديا الصافية النقية المفلترة بدون مبالغة أو ابتذال، فرغم أن الفكرة وحدها ثرية أكثر من اللازم بما قد يفتح مجالاً للاستسهال والابتذال والاكتفاء بالفكرة وحدها والتداعي في استهلاكها وتحويل الأمر من مواقف مضحكة لسخافة وإسفاف.. حيث إن مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بيئة خصبة لإخراج أكثر المواقف هزلاً وطرافة، لا سيما وأن عنصر المنطق والعقلانية متفق عليه سلفًا أنه منزوع وغير متوفر.. مما قد يجعل كل التصرفات والأفعال والسلوكيات للممثلين مغفور لها مسبقًا مما قد يجعل إحكام حبكة السيناريو صعبًا بسبب اندفاع السيناريست وراء الحد الأقصى من اللاعقلانية واللامنطقية، وربما زيادة عن اللزوم.. إلا إن السيناريست كان ذكيًا عندما قام بإحكام السيناريو جيدًا وإعطاء كل ذي حقٍ حقه دون إسراف في “الجنون” أو ابتذال لتصرفات وأفعال وأقوال “المجانين”

ليس هذا فقط، بل والدفع بمجموعة من الفنانين العظماء كعبد الفتاح القصري وزينات صدقي وعبد المنعم إبراهيم والخواجة بيجو والدكتور شديد ورياض القصبجي، مما جعل الفيلم مادة خام للكوميديا والضحك، وقد وصل الفيلم لهدفه وبلغ مبتغاه على أكمل وجه، ألا وهو الضحك ثم الضحك ثم الضحك

كنت مترددًا بشأن ضم الفيلم إلى قائمة الأفلام التي أنصح بمشاهدتها، لا لترددي بشأن الفيلم ذاته، لأني مقتنع بهذا الفيلم تمام الاقتناع ولكن هناك اعتقاد راسخ أن الفيلم يجب أن يكون كئيبًا ومغرقًا في الميلودراما حتى يكون قيّما ومهمًا..

وكأن الضحك في ذاته ليس شيئًا قيمًّا أو ذو أهمية، لكن لأننا شعوب تعشق النكد والكآبة – حتى أننا اخترعنا فنًا للبكاء على الميت اسمه التعديد، يتم فيها نظم أشعار في محاسن الميت وخراب الديار من بعده وتيتم الأطفال وانهيار الدنيا ومرارة الأيام – فإننا نعد الأفلام الكوميدية شيئًا غير ذي قيمة، وأن محبي الأفلام الكوميدية هم أشخاص تافهون.

المهم أنني كنت جالسًا في مقهى في انتظار أحد أصدقائي وكان هناك رهطًا من المسنين وأرباب المعاشات يسلون أوقات فراغهم الفسيحة في لعب الطاولة والنميمة، وكان هذا الفيلم يعرض على التلفزيون وكنت وحيدًا أدخن المعسل الدافيء، وأستمع للأغنيات عبر السماعة من هاتفي، إلا وأفاجأ بضحكات عالية مرتفعة صكت مسامعي رغم انشغالها بالأغنيات التي تخرجها سماعة اليد.. لأخلع السماعة فأجد أن هؤلاء المسنين يضحكون بفرحة حقيقية على أحداث الفيلم، أوقفت الأغنيات وأخذت أشاهد معهم لأجد أن الفيلم فعلاً حالة كوميدية حقيقية، وأنه من الأفلام التي يجب أن يشاهدها أي بائس أو مهموم للتفريج عن كرب نفسه.

الفيلم قام بإخراجه عيسى كرامة وهو من أعظم الأفلام الكوميدية التي أنتجتها السينما العربية، أنصح به بقوة وستضحك من قلبك.

بين السما والأرض – 1959

أفيش فيلم بين السما والأرض – 1959 هذا الفيلم عالمي بكل المقاييس، وعلى جميع الأصعدة، وعلى السبيل الشخصي واحد من الأفلام التي لا أمل من مشاهدتها مطلقًا، وأراها كل مرة كأني أراها لأول مرة.

هنا يتجاوز صلاح أبو سيف مسألة الاشتباك المباشر مع الواقع وإعادة صياغته، إلى تقديم رؤية جديدة للواقع غائصًا في أعماق الأوضاع البشرية المهترئة وكشف الستر عن فداحة الوضع الإنساني.

يبدأ الفيلم بعرض لقطات متتابعة تعبر عن وهج الصيف وحرارته، حيث إن الناس يعانون من السخونة والحرارة وهم بالخارج في الشوارع والهواء الطلق، فكيف سيكون الوضع لـثلاثة عشر فردًا داخل مصعد معطل وعالق بين طابقين؟

كيف اجتمعت كل عناصر المتعة في هذا الفيلم الرائع إلى هذا الحد؟

السيناريو!؟ ممتاز

الإخراج!؟ فوق الممتاز بكثير

الممثلون!؟ آداء رائع جدًا

تصوير وحيد فريد؟ عظيم

يقوم الفيلم على دمج عناصر المجتمع المختلفة واختزالها في مجتمع المصعد الضيق، بإدراج نماذج من المجتمع وجعلهم يتفاعلون في مساحة ضيقة، وماذا قد تفصح عنه أخلاقيات الزحام.. وكأن المصعد هو عدسة مكبرة، أو تسليط للضوء على عينة عشوائية من المجتمع، وليس المجتمع المصري فحسب بل المجتمعات الإنسانية بأكملها.. فممثلة، ولص، ومجنون، وسليل عائلة عريقة سابقًا، ورئيس عصابة، وخائنة، وفتاة محبة حالمة، وامرأة حامل، ورجل متدين، ومجنون، وخادم، ومتحرش،ورجل عجوز يسعى للزواج من فتاة صغيرة لتجديد شبابه… تضارب للرغبات وتباين في الثقافات وفروق في المستويات، والمطلوب التعايش لحين حل الأزمة!

يعلق المصعد بين طابقين بحيث يستحيل فتحه، ومن بداخله يكونون في منتهى التأزم والعصبية والغضب والنقمة، بينما من بالخارج.. باردون غير مكترثون بما يحدث، سواء كان حراس العمارة التي فيها المصعد أو موظف الشركة المسؤولة عن صيانة المصعد، أو حتى الطفل الذي يُرسلونه لاستدعاء المهندس من مباراة الكرة فيتلهى بمشاهدة المباراة وينسى مهمته الأساسية.. لا أستطيع أن أنظر للأمر نظرة التعبير عن شكل البيروقراطية في مصر!

بما يُفسَّر وجود أشخاص مأزمون مبتلون واقعون في أعتى المصائب، ومن بيدهم أمر تخليصهم لا يلقون عناية بالأمر!

اشتراك نجيب محفوظ في كتابة السيناريو ساعد في إحكام الشخصيات وإحكام رسمها بشكل مثالي، حيث على الرغم من المرور السريع على الشخصيات دون إمعان النظر في شخصية دون غيرها، بما يتناسب مع طبيعة الفيلم بكونه بطولة جماعية والمكان فيه هو محور الحدث.. إلا أننا لمسنا التمايز في الشخصيات بمنتهى الوضوح.

التضاد والتناقض أيضًا بين الشخصيات كان رائعًا، النشال الحقير رث الهيئة الذي يسرق من جيوب المواطنين الغلابة مقابل اللص الوجيه خبير الخزائن والذي يظهر على هيئته الاحترام والوقار، وكلاهما أمام الرجل المتدين الذي لا تنفرج شفتيه إلا بالاستغفار والدعاء برفع الغمة.
الرجل الذي يترك أسرته من أجل فتاة صغيرة لا تحبه بل تخضع لإجبار أمها عليه بسبب حالته المادية المتيسرة.. مقابل الفتاة الحالمة التي تسعى للقاء حبيبها الذي لم يوافق والدها على زواجهما مما دفعه لاتخاذ قرار الانتحار.. ونفس هذه الفتاة الحالمة المحبة في مقابل الزوجة الخائنة والصديق الخائن!

أما التضاد الرائع الذي صنعه الفيلم، بين الأرستقراطي المفلس الذي أداه ببراعة عبد السلام النابلسي لا سيما وأن الشخصية قد استفادت من آداءه التمثيلي (المبالغ فيه) في بعض الأحيان، والخادم الواعي والذي قدمه أيضًا الفنان عبد الغني النجدي بإتقان رائع.. فكلاهما يعبر عن طبقته.. الأول يعبر عن أنه (بِك) وله كل الاحترام بينما الثاني يعبر عن طبقة الخدم ولكن ليس من مقام انحناء وخضوع، بل من مقام اعتزاز وشعور بالمساواة.. حتى أنه يرد على الباشا كلمة بكلمة ودون حتى أن يكون الكلام موجّه له.. فحين يركب الأرستقراطي السابق، ويُطالب هو أن ينزل من المصعد لأنه آخر من التحق به، تجده يقول أن من المفترض من ينزل من المصعد هو الخادم لأنه ممنوع دخول الخدم.. تجد الخادم يتحدث دون اعتبار لشيء قائلاً بأن هذا “كان زمان” وأنه لا فرق بينهما بعد انتهاء عهد البكوية والبكوات والبشاوات، وتجده متهكمًا عليه في موضع آخر قائلاً: “لك صوتين في الانتخابات وانا ليا صوت واحد”، هذه الجملة الحوارية من أذكى ما جاء في الفيلم، حيث التأكيد على حق الانتخاب كرمز لعدم تسيد فئة على أخرى وكتجلي نموذجي للحكم الديمقراطي العادل الذي يساوي بين البشر، واستخدامه المفارقة عن التساؤل إن كان له صوتان ولم يستخدم إن كان له صوت بينما هو (الخادم) ليس له أصوات، كتعبير عن تأصل التساوي فيه وعدم وجود أي فرق بينه بينما هو بعنجهيته واستعلاءه من يغالب قانون الكون، ويقف ضده.

كان إدراج شخصية الخادم الواعي هو إشارة واضحة للوضع بعد ثورة يوليو والمساواة والعيش في مجتمع اشتراكي تسوده المساواة دون تباين واضح في الطبقات أو تمييز بين البشر!

الشخصية الرائعة فعلاً في الفيلم شخصية المجنون، فرغم ذلك هو الوحيد من تجده يتحدث بمنطقية وعقلانية و واقعية صارخة، حيث إنه يرسم خطط للتعايش الأبدي في الأسانسير ويقوم بتوزيع الأدوار بعدالة، وذلك تحسبًا من الجور والظلم لأننا بهذه الطريقة سوف نقوم بقتل بعضنا صراعًا على الأكسجين الذي نتنفسه (ألا ترى أن الصراعات والحروب تقوم من أجل نزاعات مشابهة).. لكن المشكلة هي في الجثث وكيفية التخلص منها (نظرة مغرقة في السوداوية فعلاً لكنها للأسف مغرقة في الواقعية بالمقابل).. وربما هذا إيحاء خفي أو إشارة على استحياء نحو نشأة المجتمعات البشرية وتطورها، ربما تفسير هذا هو انشغال صلاح أبو سيف بهذه المسألة والذي سيفرد لها فيلم كامل في العام 1986 بعنوان البداية، يتحدث فيه عن شيء مماثل.

جدير بالذكر أن الفيلم قد صور بعمارة الليبون بالزمالك، والتي كان يسكنها النجوم مثل فاتن حمامة لفترة وشريهان وسامية جمال والصحفي علي أمين، وتعد هذه العمارة من معالم حي الزمالك الراقي بالقاهرة.

صورة معاصرة لعمارة الليبون بالزمالك التي تم تصوير أحداث الفيلم بها (عدسة المصور صلاح الرشيدي) إذا كان يوسف وهبي هو رائد الأربعينات.. فإن صلاح أبو سيف من وجهة نظري هو رائد الخمسينات بلا منازع.. بل وإنه سيكمل في الستينات أيضًا، لينقش اسمه بحروف من ذهب على لوحة تاريخ السينما المصرية والعربية ككل.

باب الحديد – 1958

هو اسم الفيلم الذي وجد فيه أخيرًا يوسف شاهين نفسه، أو وجد أخيرًا التيار الذي يجب أن يمشي فيه يوسف شاهين، ربما يرى البعض أنه قد إنحرف به التيار قليلاً عن مساره فيما بعد، لكن يظل “باب الحديد” واحد من أهم أفلام يوسف شاهين، ومن أهم أفلام السينما العربية إطلاقًا.

و”باب الحديد” هو اسم كان يُطلق على الميدان الذي به محطة سكك حديد القاهرة مرحلة ما قبل ثورة 1952 وبعدها حتى عام 1955 حيث تم نقل تمثال رمسيس الثاني إلى وسط الميدان، مما جعل إسمه يتغير ويُطلق عليه “ميدان رمسيس”، وتصبح محطة السكك الحديدية “محطة رمسيس”، وحتى يومنا هذا لا يزالا الميدان والمحطة يحملان نفس الإسم المنتسب إلى رمسيس. حتى بعد أن تم نقل التمثال مرة أخرى ليرقد داخل المتحف المصري بميدان عبد المنعم رياض، بدلاً من وقوفه شامخًا منتصف ميدان رمسيس.

قام يوسف شاهين بإخراج هذا الفيلم أواخر الخمسينات وغامر بتصويره للفيلم في مكانه الطبيعي داخل المحطة رغم الزحام والاكتظاظ الشديد الذي يميز طبيعتها والذي يجعلها أشبه بخلية نحل لا تهدأ ولا تنام،  حتى عن طريق الصوت الخارجي الذي كان في أول الفيلم والذي كان يقول أن كل دقيقة يخرج قطار من المحطة أو يصل قطار، مما يجعل المحطة مكانًا لإستقبال كافة أطياف البشر من الراكبين أو المسافرين، وهو ما يجعل بيئة المحطة -رغم ذلك- ؛ بيئة ثرية.

أعظم ما يميز الفيلم هو غوصه في أعماق أعماق أبطاله، أو بمعنى أصح بطله قناوي الذي أبدع في القيام بدور شاهين نفسه والذي من شدة إتقانه وإبداعه في هذا الدور لم يتصدى بعدها أبدًا للقيام ببطولة فيلم بنفسه أو آداء دور محوري في أحداث فيلم أبدًا، حيث كان يظهر كضيف شرف ليس إلا.

كما أشرت سابقًا أنه إن كان فيلم شباب إمرأة للمبدع صلاح أبو سيف هو من أوائل الأفلام التي تناولت (الرغبة الجنسية) بشكل واضح، فإن باب الحديد قد تناول الحرمان الجنسي بشكل أكثر صراحة، ووظّف الجنس كعنصر من عناصر مكوّنات شخصية قناوي المختل نفسيًا والهائم في حب هنومة والذي لا أرى أنه محروم من الجنس فحسب من وجهة نظر رؤية عم مدبولي، عندما رأى صور فتيات المجلات المصورة الساخنة تملأ جدران غرفته، لكنه محروم من “هنومة” والتي يراها في كل النساء، بل ويراها في حتى في فتيات الموديلز اللائي يزين بهن جدران غرفته، لأنه في مشهد عبقري رائع يقوم قناوي بعد إقتصاص صورة إحدى الفتيات من مجلة، يقوم برسم دلو مياه غازية في ذراعها، كإشارة واضحة لـ هنومة، بائعة المياه الغازية.

وعلى الرغم من السيناريو الرائع الذي كتبه السيناريست عبد الحي أديب والذي كان السيناريو الأول له حسب المعلومات المتاحة، فإن رسم ملامح الشخصيات بهذا الإتقان، خصوصًا شخصيتي قناوي وهنومة لابد وأنها كانت مهمة شاهين.

ذلك أن نقطة البراعة شاهين أنه قد صنع شخصية قناوي _سواء بالآداء التمثيلي أو بالإخراج_ بالشكل الذي يُمكّننا من التقزز منه والتعاطف معه في آن واحد.

أما هنومة، التي أدت دورها الرائعة هند رستم. فقد كانت مثيرة بشكل جديد أيضًا على السينما المصرية، لقد كانت الأنثى الوحيدة في الفيلم، وكان مصدر إثارتها هي نفسها، فالملابس وتصفيف الشعر والمكياج لم يضيفوا أي لمسة جمالية للشخصية، بل ساعدوا في إبراز الجمال عند هنومة دون إضافات، جمال بري بدائي ينتمي إلى العصر الحجري بجلبابها المهلهل وشعرها الأشعث ونظراتها الشهوانية العفوية، وإثارة حيوانية بحتة كفيلة بإيقاظ الإنسان الأول بداخلك. وبلغت مهارة شاهين وحرصه على تأطير هذا بجعل باقي الإناث دونها في الفيلم باهتات خافتات، ووحدها هنومة من تتلقى كل الضوء والإهتمام وكأنها الأنثى الأولى الوحيدة على الأرض، لتحاكي بهذا عقل ومشاعر وذهنية “قناوي” البدائية الفجة وغرائزه الأولية، والذي تجعله لا يرى بالفعل غيرها من النساء على الأرض وتجعله يكتشف بداخله الشهوة المتقدة.

لا يزدحم الفيلم بهنومة وقناوي فقط رغم تفاصيلهما التي تكفي لملأ فيلم، إلا أن الصراع يزداد سخونة عندما يوجد أبو سريع، الذكر الأقوى الذي يثير الأنثى البرية، وعلى النقيض الإنسان الضعيف قناوي والذي يعيش فقط على خيالاته الجنسية مع هنومة، لذلك فإن قناوي يكره أبو سريع من كل قلبه.

على هامش ثلاثية (هنومة – قناوي – أبو سريع)، يلقي الفيلم الضوء على عدة جوانب هامشية أبرزها محاولة أبو سريع الذي يعمل “حمالاَّ” بالمحطة، لإنشاء نقابة للحمّالين تدافع عن حقوقهم وتضمن لهم معيشة كريمة ومعاملة آدمية.

تصوير الفيلم رائع فعلاً ومتفهم لطبيعة المحطة، بإضاءة خافتة نوعًا ما كإيحاء بالمناطق المظلمة التي لا يبوح بها الفيلم صراحة، وموسيقى مناسبة لفؤاد الظاهري، وتمثيل رائع من هند رستم ويوسف شاهين وفريد شوقي وحسن البارودي، عناصر الفيلم مكتملة جعلته يترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي ليكون بذلك أول فيلم عربي وأفريقي يترشح للأوسكار.

إشاعة حب – 1960

كنت قد ذكرت في المقال الأول لهذه السلسلة أن يوسف وهبي هو رجل الأربعينات الأول بإمتياز، وأنه رائد من رواد السينما المصرية وأحد الذين تطورت على أيديهم السينما المصرية. وكان في هذه الفترة (نهاية الثلاثينات والأربعينات) قد إنتقل من المسرح إلى السينما فتأثر أداؤه السينمائي بفن الإلقاء المسرحي الذي تربى عليه، وبذلك فقد نقل مسرحيات كاملة أبرزها “كرسي الإعتراف” إلى السينما، وقد كان فنانًا تراجيديًا من الدرجة الأولى، وقد أوردت أحد أهم أفلامه التراجيدية من وجهة نظري “بيومي أفندي” في القائمة الأولى لهذه السلسلة.

في الستينات، كانت السينما المصرية قد أصبحت قامة فنية وسط الإنتاج السينمائي العالمي يشار لها بالبنان، لا سيما وقد تم الإعتراف عالميًا بهذه السينما الرائدة بالإشتراك في عدة مهرجانات سينمائية والترشح لنيل جائزة أبرزها الأوسكار وكان وغيرها.

ورأينا هنا يوسف وهبي، واحد من أعظم ممثلي الكوميديا في التاريخ، دعوني أقول أن هذا الفيلم تحديدًا واحدًا من التحديات التي واجهها المخرج فطين عبد الوهاب، فبإستثناء عبد المنعم إبراهيم الذي قد يصنف أنه فنانًا كوميديًا، جميع ممثلين هذا الفيلم وخاصة الأدوار الرئيسية هم فنانون لم يؤدوا أدوارًا كوميدية من قبل ولم يشتركوا في أفلامًا كوميدية من قبل، فعمر الشريف منذ ظهوره الأول في صراع في الوادي وأفلامه كلها درامية وميلودرامية أحيانًا، من نوعية “سيدة القصر” الذي يحكي قصة شاب غني يتزوج من فتاة فقيرة والفروق الطبقية والثقافية بينهما؛ و”لا أنام” الذي يرصد منزلاً من منازل الطبقة الراقية وما يحدث فيه من خيانات وعلاقات متشابكة وخداع وعذاب ضمير، و”إحنا التلامذة” الذي يعالج قضية التفكك الأسري وما يدفعه إلى إرتكاب الجرائم والتغرير بالمراهقين، أما سعاد حسني فلم تكن قد إشتركت من قبل إلا في فيلم حسن ونعيمة الذي تناول قصة غرام ممنوعة مأخوذة عن واقعة حقيقية بين مطرب شعبي وفتاة من قرى محافظة الدقهلية ولم تكن سعاد وقتها قد تجاوزت السابعة عشر من عمرها.

وعلى الرغم من ذلك يعتبر هذا الفيلم علامة من علامات الأفلام الكوميديا في السينما العربية، بل إن يوسف وهبي ملك المسرح والتراجيديا، رأيناه في دور هزلي صرف وكمية الضحكات التي إستطاع إنتزاعها بآدائه الرائع ينافس فيه ملوك الكوميديا في العالم أجمع، ولازال هذا الفيلم يحصد العديد من المشاهدين في كل مرة عند عرضه.

يحكي الفيلم عن عائلة ثرية من عائلات مدينة بورسعيد في إنتظار إبنتهم (سميحة) العائدة من السفر والتي يهيم بحبها إبن عمها (حسين)، ولكن والدتها ترفض لأسلوب حياته وملابسه القديمة وجديته وترفعه عن الهزل والصغائر مبررة بأنه لا يليق بها، ومن جهة أخرى تولع البنت المراهقة بإبن خالتها (لوسي) صاحب المغامرات النسائية العديدة والراقص المخضرم ورحلاته الكثيرة وحكاياته التي يشعل بها عقلها.

لا يستريح والدها لهذا الشاب العابث ويرغب في تزويج إبنته من حسين ولكن دون إجبار له، فيقوم بتلميع حسين وتدبير حيل له تجعله يظهر في نظر سميحة شاب ذو مغامرات نسائية كثيرة، حتى أنه يدّعي أنه على علاقة بالفنانة المثيرة هند رستم، ويقوم بتدبير الحيل والألاعيب لصبغ هذه الخدعة بالواقعية، لكن تحدث المفاجأة عندما تأتي هند رستم إلى بور سعيد وتتفاجأ باللعبة وبدلاً من إنزعاجها مما يحدث، تقع المفاجأة وتتجاوب وتتظاهر هي أيضًا بأنها بالفعل على علاقة بحسين مما يُربك الجميع ويصيبهم بعدم الفهم.

هذا الفيلم واحد من أجمل وأعظم الأفلام الكوميدية في تاريخ السينما المصرية، وأكرر إشادتي فيه بآداء يوسف وهبي العالمي الأسطوري كواحد من أعظم فناني الكوميديا في تاريخ السينما، والفيلم لا يستحق المشاهدة مرة واحدة فحسب؛ بل يستحق المشاهدة في كل مرة يُعرض فيها على التلفزيون لأنه مضاد للملل، فكل مرة تراه فيها ستضحك كما لو كانت أول مرة، أنا نفسي أشاهد هذا الفيلم كلما صادفته على التلفزيون وكذلك يفعلون أفراد أسرتي.

بداية ونهاية _ 1960

هذا هو أول الأفلام التي أنتجت في السينما مأخوذة عن رواية لنجيب محفوظ، فبعد مشاركات نجيب محفوظ في كتابة السيناريو لبعض أفلام أبو سيف ومن قبله كفيلم جعلوني مجرمًا، أتى فيلم بداية ونهاية كنتيجة طبيعية لهذا التعاون المثمر، فبعد إتجاه نجيب محفوظ للواقعية بداية من “خان الخليلي” منتصف الأربعينات وبالمقابل تأثر صلاح أبو سيف بالواقعية الجديدة في إيطاليا، كان ولابد أن تلتقي روايات محفوظ بسينما أبو سيف، وكانت البداية قوية فعلاً بما أغرى العديد من المخرجين بإخراج أعمال مأخوذة من أفلام محفوظ فيما بعد.

صدرت الرواية في العام 1949 تقريبًا، لتكرّس مكانة متميزة لنجيب محفوظ على الساحة الأدبية، وصدر الفيلم في العام 1960 بنفس الإسم “بداية ونهاية”.

وتعني بداية إنهيار الأسرة ببداية الفيلم والرواية على حدٍ سواء بموت الأب، مما يجعلهم يهبطون إلى القاع ولا يجدون الكفاف، ثلاثة أشقاء ذكور وفتاة ليست على قدرٍ من الجمال ولكنها خفيفة الروح (حسب وصف محفوظ في الرواية) والنهاية بتفكك الأسرة رغم صعودها إجتماعيًا نوعًا ما. وإنهيار جميع أفرادها.

والحقيقة أن صلاح أبو سيف قد نجح في نقل الجو العام للرواية والذي يقترب من المأساوية لأسرة تعاني الفقر والحرمان وتطلع أفرادها للعيش الطيب دون إحتياج، لا يوجد في القصة أي محاكمة لأحد. فالجميع مذنبون والجميع ضحايا، والجلادون هم أنفسهم المتهمون والقضاة هم أنفسهم المجني عليهم، ربما قد يستشف من يريد أن يستشف أن الفقر. الفقر وحده هو الجاني الوحيد على عائلات بأسرها قد تتدثر بغطاء الستر فيردها إلى أسفل السافلين تسبح في الحضيض.
أعتقد أن الكتابة عن هذا الفيلم الرائع شديدة الصعوبة، والذي أعتبره علامة من علامات السينما المصرية ودليل على تفوقها وقدرتها على الوقوف جنبًا إلى جنب في مصاف السينمات العالمية، لا سيما وأن المخرج الرائع صلاح أبو سيف قد استطاع ترجمة الرواية الرائعة للأديب العالمي نجيب محفوظ لفيلم سينمائي دون إنتقاص منها أو تفريغها من معناها، وفي نفس الوقت أعطانا فيلمًا رائعًا ممتعًا. يستحق المشاهدة مئات المرات.

قام ببطولة الفيلم فريد شوقي وعمر الشريف وأمينة رزق وسناء جميل في دور رائع يحسب لها.
كانت الرواية قد قُدمت عدة مرات للمسرح، مرة من بطولة توفيق الدقن وأمينة رزق وأخرجها عبد الرحيم الزرقاني، ومرة أخرى من بطولة حسين فهمي وأبو بكر عزت ويسرا وأخرجها يحيى العلمي.

كما أن هناك فيلمًا مكسيكيًا يحمل نفس الإسم مأخوذ عن الرواية ذاتها قدمه المخرج المكسيكي أرتورو ريبستين في العام 1993.


أفلام عربية