ثقافة عامة

خندق ماريانا.. أعمق مكان على الأرض

خندق ماريانا.. أعمق مكان على الأرض

هل تسائلت يومًا عن أعمق مكان على سطح الكُرة الأرضية؟ في هذا المقال سنتعرف على أعمق نقطة على سطح الكرة الأرضية أجمع، ففي رحلة البشرية لاكتشاف كوكب الأرض كان من السهل معرفة ما هي أعلى قمة على كوكب الأرض، ونحن هُنا بالتأكيد نتحدث عن قمة جبل إيفريست الذي يبلغ ارتفاعه 8848 متر، ولكن لم يكن من السهل إطلاقًا اكتشاف أعمق نقطة على كوكب الأرض ونحن هنا نتحدث عن خندق ماريانا، فهيا بنا نأخذكم في رحلة ممتعة لنعرف ماذا يوجد داخل هذا الخندق الذي يعتبر أعمق نقطة استطاعت البشرية تحديدها في الكرة الأرضية.

 

خندق ماريانا

خندق ماريانا عبارة عن منخفض أرضي في قاع المُحيط على شكل حرف V في اللغة الإنجليزية ويقع الخندق في غرب المُحيط الهادي بالقرب من جُزر الماريانا، ولكي تصل إلى أعمق نُقطة في الخندق من سطح المياه ستحتاج أن تغطس تحت سطح المياه مسافة 11 كيلو متر كاملة، ولكي تستوعب مدى كبر هذا الرقم تخيل أننا قمنا بإغراق جبل إيفريست في الخندق ستكون النتيجة أنه سيختفى تماما وسيترك فوقه مسافة تتعدى 2 كيلو متر وصولا لسطح المياه.

لعقود طويلة كان يعتقد أنه من المستحيل أن يصل أحد إلى هذا العمق ناهيك عن استحالة وجود أي نوع من أنواع الحياة البحرية في هذا الخندق، ولكن المعلومات التي كشفها لنا خندق ماريانا غيرت مفهوم البشرية عن أعماق المُحيط.

اكتشاف خندق ماريانا

في رحلة لدراسة المُحيطات والكشف عن أعماقها انطلقت سفينة البحوث البريطانية hms challenger في مُهمة استكشافية استمرت لمدة 4 سنوات بداية من 1872 إلى 1876 ميلاديا وقطعت السفينة خلال هذه الرحلة مسافة 112 ألف كيلو متر كاملة، وكان النظام المُتبع لنظام الأعماق هو استخدام طاقم السفينة لحبال بأول كبيرة جدًا عليها علامات لتحديد الطول وموصول في طرفها قطعة ضخمة من المعدن، ومع كل 225 كيلو متر تقطعها السفينة يبدأ طاقم العمل في رمي الحبال في المياه ويتركوه حتى يصل المعدن إلى القاع، ومن خلال علامات القياس على الحبل يستطيعوا تحديد عمق المكان الذي يقفوا عليه،وبالرغم من صعوبة طريقة القياس هذه إلا أنها كانت الطريقة الوحيدة وقتها لقياس العُمق.

ومع وصول السفينة hms challenger بالقرب من جُزر الماريانا كان في انتظار طاقم السفينة والعالم أجمع مفاجأة من نوع خاص حيث عندما قام الطاقم برمي الحبال في المياه تفاجئوا باسمرار وصول الحبال لمسافات كبيرة جدا دون أن يصل المعدن إلى العمق، وهذا على عكس كل المناطق التي مرت عليها السفينة على مدار رحلتها، وعندما وصل طول الحبل وقتها إلى 8000 متر ضرب المعدن أخيرًا في القاع وفي هذا الوقت لم يكون يتخيل أحد في العالم أجمع أن المُحيط يمكن أن يصل عمقه إلى هذا الرقم حيث جن جنون العلماء وقتها متسائلين عن ماهية هذا المكان وعن ما إذا كان المكان عبارة عن حفرة كبيرة أم صغيرة، وهل يوجد مخلوقات بحرية في هذا المكان أم لا، وهل ستكون هذه المخلوقات طبيعية أم وحوش أسطورية تعيش في المحيط، وكان من الصعب الإجابة عن أي سؤال منهم في هذا التوقيت إلا أن السفينة فتحت آفاقًا جديدة لدراسة المحيطات.

السفينة hms challenger كان لها الفضل في معرفة خريطة أعماق المحيطات والتي كشفت للبشرية لأول مرة عن وجود حفر داخل المحيط يمكن أن تصل إلى مئات الأمتار في الأعماق، وكان الغريب في المنطقة التي اكتشفوها حديثًا أن الأعماق لا تنتهي بل تنحدر مرة أخرى حتى وصلت في النهاية إلى مسافة 8000 متر تحت سطح المياه.

أعمق نقطة على كوكب الأرض

بعد 75 عامًا بدأت الأجوبة حول خندق مريانا تظهر تباعًا عن طبيعة المكان وفي عام 1951 عادت سفينة بحوث بريطانية للحفرة مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت مسلحة بأدوات أكثر تطورًا لقياس الأعماق مع الاستعانة بتقنية السونار، حيث كشفت أن هذه الحفرة الموجودة في قاع المُحيط ليست حفرة وإنما جزءًا من خندق عملاق يصل طوله إلى 2550 كيلو متر وعرضه 59 متر.

هذا بالإضافة إلى أن العمق التي توصلت إليه السفينة السابقة لم يكن العمق النهائي للقاع، ولكن في الطرق الجنوبي للخندق يوجد هبوط مسافته 3 كيلو متر أخرى لكي يكون هذا الهبوط هو أعمق نقطة في الخندق وأعمق نقطة على كوكب الأرض، وأطلقوا على هذا الجزء من الخندق اسم challenger deep تكريمًا للسفينة الأولى التي اكتشفت هذا المكان.

هل يوجد حياة بحرية في خندق ماريانا؟

لم تستطع البشرية الإجابة على هذا السؤال لفترة طويلة، ولكن في عام 1958 استطاعت إحدى السفن السوفيتية عن وجود حياة بحرية بأعداد كبيرة من المخلوقات على عمق يتعدى 7000 متر تحت سطح المياه فبجانب وجود أنواع مختلفة من البكتريا واللافقاريات تم اكتشاف أعداد كبيرة من الأسماك والكائنات البحرية الغير معروفة للبشرية وقتها والتي اشتهرت وقتها باسم وحوش البحر.

ولكن العلماء لم يكتفوا بهذه النتيجة وقرروا النزول بنفسهم لأخذ صورة أوضح عن طبيعة هذه الكائنات ولكن الوصول إلى هذه النقطة صعب للغاية والسبب أن أي إنسان يصل إلى هذا العمق سيواجه مشكلة الضغط العالي الذي يصل إلى أكثر من ألف مرة ضعف الغضط الموجود على السطح.

أول إنسان يهبط إلى الخندق

شهد عام 1960 نجاح أول إنسان في الهبوط إلى الخندق في حملة استكشافية له عن طريق غواصة الأعماق تريستي وهي عبارة عن مركبة تستطيع تحمل الضغط العالي والغوص لمسافات عميقة تحت سطح المياه وكان على متنها العالم السويسري جاكيس بيكارت والذي ساعد والده أوجاس بيكارت في تصميم المركبة، مع صيدقه الأمريكي جون والش، ومع هبوط المركبة لعمق 11 كيلو في مدة تقترب من ال 5 ساعات وصلت المركبة للقاع واستغرق الباحثين حوالي 20 دقيقة في أعمق نقطة على الأرض.

وبالرغم من صغر المدة إلا أنها كانت كافية للتأكيد للعلماء أن هناك حياة بحرية وأسماك ومخلوقات عجيبة تعيش داخل الخندق دون أية معاناة في الظروف الاستثنائية في هذا العمق.

عجائب الخندق

مخلوق غريب شاهده العلماء أثناء الرحلة

بعد سنوات من انتهاء البعثة تم الكشف عن سجلات العالم بيكارت عن المهمة والتي قال فيها أنه في منتصف رحلتهم إلى العمق اكتشفوا وجود مخلوق ضخم على شكل اسطوانة دائرية يتبع المركبة ويتحرك حولها كأنه يراقبهم ولكن بعد دقائق من المراقبة اختفى هذا المخلوق، وقد رجح البعض أن هذا المخلوق قد يكون من حضارة مائية غير معروفة للبشر.

قرش الميجالدون

في عام 1985 واجهت السفينة الأمريكية جلومار تشالينجر حادث حيث أنه أثناء استخدام الباحثين لمسبار داخل المحيط تفاجئوا بأصوات غريبة يتم تسجيلها عن طريق المسبار في نفس اللحظة التي تم فيها شد الأسلاك الفولاذية الموصولة بالجهاز بدرجة كبيرة لدرجة أنها كادت أن تقطع وكأنه يوجد شيء حي على هذا العمق يهاجم المسبار، مما دفع الباحثين بالإسراع في سحب الجهاز إلى السفينة مرة أخرى ولكن الجهاز رفض أن يسحب معهم وكأن هناك قوة تمنعه من الصعود وبعد 3 ساعات استطاعوا أخيرا سحب المسبار، ووجدوا عليه علامات عض وكأنه كان في فك وحش بحري ناهيك عن بعض الأسلاك الفولازية التي قد تم قطعها.

رجح العلماء بعد مدة أن الوحش الذي قام بعض  المسبار هو قرش الميجالدون وهو أحد أنواع القروش العملاقة الذي يصل طوله إلى 22 متر أي أنه طول مبنى مكون من 7 طوابق ووزنه 45 طن، ويعتبر من أقوى وأشرس الحيوانات البحرية على الإطلاق، ويفترض أنه انقرض منذ أكثر من مليون و 500 ألف عام، حيث تم اكشاف سن عملاق بحجم كف إنسان بالغ حيث تم إجراء فحوصات عليها والتأكد أنها ترجع لهذا النوع من القروش.

حادثة سفينة البطائع اليابانية

بعد الحادثة الأولى بأكثر من عام حدثت حادثة غريبة لسفينة البضائع اليابانية بالقرب من الخندق وهذا بعد تعرضها لخبطة قوية من جانب السفينة جعلتها تنقلب بسهولة في المياه، وهذا بالرغم من أن الأحوال الجوية كانت مستقرة ولا يوجد أي حواجز صخرية في المنطقة.

كيف تكون خندق ماريانا؟

يتزامن وجود الخندق مع مناطق الإندساس وهي المناطق التي تتصادم فيها الصفائح التكتونية مع بعضها البعض ولكي يتم تبسيط الأمر فالقشرة الأرضية تتكون من صفائح يطلق عليها الصفائح التكتونية وأسفلها يوجد صخور لدنة بسبب ارتفاع الضغط ودرجات الحرارة وتتحرك هذه الصفائح فوقها ببطئ شديد وفي حالة حدوث تصادم بينها تهبط الصفيحة الأقل كثافة إلى الأسفل مما يؤدي إلى انصهار جزء منها بسبب درجات الحرارة المرتفعة مما يساعد في تكوين الخنادق، وعلى مدار ما يقرب من 50 مليون سنة انزلق لوح المحيط الهادي أسفل لوح الفلبين ونتج عنه ظهور خندق ماريانا.

ما الذي يجعل خندق ماريانا أعمق نقطة على الأرض؟

اكتشف العلماء أن هناك صلة قوية بعمر المحيطات ومدى عمقها، بمعنى أنه كلما كان عمرها أكبر كلما زاد عمقها في المحيط، وبعد الحصول على عينات من أرض خندق ماريانا اتضح أن عمرها يعود لأكثر من 170 مليون سنة لكي تكون النقطة الأقدم والأعمق على كوكب الأرض.


خندق خندق مريانا أعمق مكان على الأرض