تنمية ذاتية

درس في القيادة من سمرقند

درس في القيادة من سمرقند

حسن هذه القصة ليست عن أحد الشركات الكبرى حول العالم، ولا عن دولة متقدمة من الشرق أو الغرب، و لكنه هذه المرة عن  الاسلام و ما يصنع بأهله. حدثت هذه القصة في عصر عمر بن العزيز عند فتح سمرقند على يد قائد عظيم اسمه “قتيبة بن مسلم”، فهيا بنا نتعرف على القصة.

درس في القيادة من سمرقند

بدأت المحاكمة، و نادِ الغلام في المحكمة: يا قتيبة ( هكذا بلا لقب ) ، فجاء قتيبة وجلس هو و خصمه كبير الكهنة أمام القاضي جَميعهم ..

  1. قال القاضي : ما دعواك يا سمرقندي ؟
  2. قال : اجتاحنا قتيبة بجيشه ، ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا حتى ننظر في أمرنا
  3. التفت القاضي إلى قتيبة وقال : وما تقول في هذا يا قتيبة ؟
  4. قال قتيبة : الحرب خدعة ، وهذا بلد عظيم ، وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية …
  5. قال القاضي : يا قتيبة هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو الحرب
  6. قال قتيبة : لا إنما باغتناهم لما ذكرت لك …
  7. قال القاضي : أراك قد أقررت .. وإذا أقر المدعى عليه انتهت المحاكمة ، يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل ..
  8. ثم قال (القاضي): قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء ، وأن تُترك الدكاكين والدور ، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد ، على أنْ ينذرهم المسلمون بعد ذلك !!
  9. لم يصدّق الكهنة ما شاهدوه وسمعوه ؛ فلا شهود ولا أدلة ، ولم تدم المحاكمة إلا دقائق معدودة ، ولم يشعروا إلا والقاضي والغلام وقتيبة ينصرفون أمامهم ..
  10. وبعد ساعات قليلة سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات ترتفع وغبار يعمّ الجنبات ، ورايات تلوح خلال الغبار ، فسألوا ..
  11. فقيل لهم : إنَّ الحكم قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب ، في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به ..
  12. وما إنْ غرُبت شمس ذلك اليوم إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية ، وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم ، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر ، حتى خرجوا أفواجاً ، وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ..

هذه قصة من كتاب ( قصص من التاريخ ) للشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله …. وأصلها التاريخي في الصفحة 411 من ( فتوح البلدان ) للبلاذري، و الصورة المرفقة هي لأحد مدارس سمرقند اليوم، و قد نقلتها كما هي.

هناك ثلاثة أمور:

  1. الأمر الأول: هو صدق القائد و ثقته في نفسه، فهو اجتهد في الأمر  و اتخذ قراره بفتح البلاد، و حتى حين تم استدعاؤه للادلاء بشهادته، لم ينكر الأمر ، و لم يحاول خلق قصص جديدة،
  2. الأمر الثاني: وضوح و دقة رؤيته، وبساطة استراتيجيته “: الحرب خدعة ، وهذا بلد عظيم ، وكل البلدان من حوله كانوا يقاومون ولم يدخلوا الإسلام ولم يقبلوا بالجزية، فباغتناهم “. هذا الشيء لا يستطيع فعله الكثيرين، اذ غاليا ما يتم رسم مخططات و استرتيجيات معقدة لا يستطيع معها الفريق الوصول الى شيء.
  3. الأمر الثالث و الأهم هو انصياع القائد للأوامر العليا (المحكمة في هذه الحالة)، فلم تأخه الحمية و لم يقم بأي انقلاب عسكري أو تفرد بالحكم في البلاد أو اعلان استقلال البلاد عن باقي بلاد المسلمين، كل الذي فعله هو الانسحاب من المدينة.لأنه كان يعلم و (ينظر بمنظور استراتيجي) أنه لا يخدم قضية دنيوية ما كفتح سمرقند، وانما كان يخدم نشر سماحة و عدل الاسلام.

في النهاية بالنسبة للقادة على الأقل، فالغاية لا تبرر الوسيلة ولا بأي حال من الأحوال. فإن سقط شرف القائد، فإنه لا يمكن أن يعود أبدا.


القيادة