مال وأعمال

ثلاث خطوات لتحقيق تموضع استراتيجي مستقر لشركتك

ثلاث خطوات لتحقيق تموضع استراتيجي مستقر لشركتك

سنتحدث في هذا المقال عن ماهية الخطوات الرئيسية لتحقيق هذا الأمر العمليات النوعية هي أساس التموضع الاستراتيجي للشركات للمحافظة على موقع في السوق، على الشركات المفاضلة بين عملياتها تحقيق التكامل بين العمليات التشغيلية للشركة.

أولا: العمليات النوعية هي أساس التموضع الاستراتيجي للشركات

استراتيجية المنافسة للشركات، هي ببساطة أن تعمل جاهدة لتكون مختلفة، و هذا يعني أن تقوم الشركة بتصميم مجموعة من العمليات النوعية، (لا أن تبرع في عمليات قد لا تختلف كثيرا عن عمليات الشركات الأخرى) وأن تُكامل بينها لتخرج بمنتجات ذات قيمة نوعية و فريدة. ففي النهاية تكمن قوة استراتيجية أي شركة في مجموعة العمليات التي تختارها للقيام بالأعمال، و ان فشلت الشركة في ذلك فستتحول استراتيجتها الى مجرد دعاية تسويقية فارغة من أي مضمون لا تستطيع أن تواجه المنافسين، و هذا المثال سيشرح الأمر بمزيد من التفصيل

شركة الخطوط الجوية “ساوث-ويست“، هي شركة طيران توفر لزبائنها رحلات قصيرة (بين المدن متوسطة الحجم و المطارات الثانوية) بأسعار رخيصة نسبياً، أما زبائنها فهم من رجال الأعمال، و العائلات، و الطلاب، الذين بمجملهم يعتبرون زبائن حساسون للأسعار. تعمد جميع الشركات و من بينها “ساوث-ويست” الى تعريف استراتيجياتها من خلال زبائنها، و لكن قوة الاستراتيجية تكمن في مجموع العمليات التي تشكل الاستراتيجية، لقد برعت “ساوث-ويست” في ذلك، و سأستعرض لكم ذلك

صاغت “ساوث-ويست” جميع عملياتها لتتمكن من تقديم خدمة ذات تكلفة منخفضة. حيث تبقي أغلب طائراتها أطول فترة ممكنة في الجو وذلك من خلال تقليل مدة مكوث الطائرات في المطارات في حالة انتظار، يحتاج هذا الأمر الى عمليات إدارة معقدة و بالغة الدقة لتحقيق ذلك، حيث يتم ذلك من خلال ترتيب مواعيد طائراتها مع مختلف المطارات التي تتعامل معها. وهذا ما لم تستطع أي شرطة طيران أخرى تحقيقه حتى الأن.

لا تقدم “ساوث-ويست” وجبات أثناء الطيران، ولا يوجد طبقة في طائراتها لرجال الأعمال، كما لا يوجد اختيار مسبق للمقاعد على متن الطائرات، والحجوزات تتم مباشرة وبدون عملاء رحلات، ما يسمح للشركة بتوفير العمولة، وجميع طائرات الشركة هي من طراز (بوينج 737) ذات الكفاءة العالية في الصيانة. جميع هذه الأمور تساعد “ساوث-ويست” على تقليل الطاقم الاداري لديها و خفض النفقات، متغلبة في ذلك على جميع خطوط الطيران الأخرى العاملة على نفس المسارات.

ثانيا: للمحافظة على موقع في السوق، على الشركات المفاضلة بين عملياتها

لا يمكن للشركات أن تحتل موقعين مختلفين في السوق، لا يمكنها العمل على أكثر من اتجاه، لا لأنها لا تستطيع ذلك من الناحية الادارية و العملية، بل لأن هذا الأمر سيكلفها الكثير. كل موقع في السوق يتطلب من الشركات ابتكار مجموعة من العمليات النوعية لتحقيق تموضع جيد و مستدام، و اذا أرادت تحقيق موقع اضافي فعليها ببساطة ابتكار مجموعة جديدة من العمليات النوعية ومختلفة تماما عن المجموعة الأولى، وهذا يعني خلق شركة جديدة داخل الشركة الأم، و هذا الأمر مكلف جدا من الناحية المادية و مرهق جدا من الناحية الادارية.

حاولت شركة الطيران “كونتيننتال” منافسة شركة “ساوث-ويست“، و هي خطوط جوية دولية و أكبر حجما من “ساوث-ويست” بكثير (من ناحية عدد الوجهات و تنوعها، الى حجم أسطول الطائرات و المزايا المقدمة للعملاء)، الا أنها آثرت منافسة الأخيرة لتحصل على موقع جديد في السوق يتسم بالأسعار المنخفضة. في النهاية لم تستطع “كونتيننتال” الفوز بالموقع الجديد، لأنها لم تستطع نسخ العمليات التشغيلية النوعية التي تتمتع بها “ساوث-ويست” لأنها ببساطة تتعارض كليا مع العمليات التشغيلية لديها، و لم تستطع حتى التوفيق بين المنهجين، في النهاية و بعد أن استثمرت الشركة مئات ملايين الدولارات فشلت في الفوز بالموقع الجديد ما أدى الى طرد المدير التنفيذي “لكونتيننتال”.

في مثال الآخر للمقايضة بين العمليات، شركة “نيوتروجينا” التي اختارت لنفسها موقعا في السوق على أنها صاحبة منتجات “رقيقة على البشرة”، خالية من الشوائب الكيميائية، و أنها متوازنة كيميائيا، حيث عملت الشركة على تغيير الكثير من عملياتها لتصل الى منتج ذو طابع طبي. وفي حملتها الدعائية الأخيرة قامت الشركة بتسويق “صابون نيوتروجينا” على أنه مستحضر طبي و ليس على أنه كمادة تنظيف. فقد سوقت الشركة هذا الصابون للأطباء، و في المؤتمرات و الندوات الطبية، و حتى المجلات الطبية، كما اضطرت الشركة للتخلي عن مجموعة من الأمور لتحقيق مرادها فقد منعت الشركة أن يباع هذا الصابون الا في الصيدليات (مع أن هذا الأمر يشكل خسارة كبيرة للشركة حيث استثنت المتاجر الكبيرة و السوبرماكت، لكي لا يٌقارن منتجها بمستحضرات التجميل العادية)، كما منعت عروض الأسعار لهذا الصابون لكي لا تقلل من قيمته التي أرادت الشركة له أن يكون.

تلجأ الشركات الى المفاضلة بين عملياتها لثلاثة أسباب:

  1. تخاف الشركات على سمعتها، إذ لا تود أن تبدو وكأنها تسعى بكل السبل الممكنة لتحقيق الربح، أو أن يتم اتهامها بالتقليد، و انما تريد هذه الشركات أن تبين لزبائنها أنها مختصة في أمور محددة و أنها لا تخرج عن رؤيتها التي بنت سمعتها على هذا الأساس، كما أن هذه الشركات وإن قررت اضافة موقع لها في السوق، فإنها تخاف من الفشل، أو عدم الخروج بمنتجات ذات جودة عالية. ففي النهاية على الشركات اختيار أحد الطرق لتسلكها.
  2. إذا قررت احدى الشركات أن تتموضع في موقعين في السوق، فهذا يعني أن تقوم هذه الشركة بابتكار خط جديد من العمليات التشغيلية النوعية لتحقيق النجاح في الموقع الجديد، و هذا ما لا تستطيع أي شركة فعله بسهولة، أما اذا اختارت الشركة اعادة تصميم عملياتها الأصلية بحيث تصبح تتوائم مع كل من الموقعين، فهذا يعني أن الشركة بدأت في تدمير نفسها بنفسها، وهذا ما لا ترغب به أي شركة.
  3. أن تختار الشركات أكثر من موقع لها في السوق، (اذا فرضنا أنها قامت بابتكار سلسلة عمليات جديدة و أخذت على عاتقها كل التكاليف المترتبة على ذلك)، هذا يعني ان قائمة الشركات المنافسة لها سوف يرتفع، و هذا ما لا تحبذه الشركات. لذى تلجأ هذه الشركات في النهاية الى اختيار مواقع محددة في السوق على قدر امكانياتها.

ثالثا: تحقيق التكامل بين العمليات التشغيلية للشركة

لتحقيق التموضع في السوق، لا يكفي أن تختار الشركات أي العمليات سوف تختار و تطبقها، و انما يجب على الشركات أيضا تحديد الطريقة المثلى لعمل هذه العمليات مجتمعة، لا يكفي أن تقوم الشركات بإبداع كل عملية على حدة و إن بكفاءة مطلقة، و إنما عليها إبداع الروابط بين هذه العمليات لتعمل كامل الشركة بمرونة، تماما مثل “زيت المحرك” فإنه لا يمكن أن يعمل المحرك (كامل المحرك) بكفاءة مطلقة إن لم يكن “عنصر الزيت” داخل التكريبة، حتى لو كانت جميع قطع المحرك مُصصمة و مُصنعة بطريقة مثالية.

تحقيق التكامل بين العمليات التشغيلية للشركة يسد الطريق على المنافسين و المقلدين في السوق. في حين تستطيع جميع الشركات نسخ جميع عملياتك بكل سهولة، و لكنها لا تستطيع نسخ “الروابط بين العمليات” فهذه الروابط لا تكون مرئية. بالعودة الى شركتي “ساوث-ويست” و “كونتيننتال” استطاعت الأخيرة نسخ العديد من عمليات “ساوث-ويست” و لكنها رغم ذلك فشلت في منافستها (وكان فشلا باهظ الثمن)،

كما ذكرت قبل قليل فقد عملت “ساوث-ويست” على تقليل مدة مكوث الطائرات على الأرض، و لكنني لم أذكر كيف حققت الشركة ذلك، إليكم التالي:

  1. الجزء الأكبر من الاجابة يتمثل في براعة عمل طواقم الشركة المختلفة على الأرض (ذوو الأجور المرتفعة)، اضافة الى “قواعد العمل المشتركة” و التي قامت الشركة بتصميمها بعناية فائقة و تطبيقها بين هذه الطواقم.
  2. الجزء الثاني من الاجابة، يكمن في اختيار الشركة فقط للمسارات و الوجهات الغير المكتظة، لأن هذا الأمر سوف يُسهل العمل للطواقم على الأرض لتعمل بالكفاءة المطلوبة، لاحظ أن هذين الجزئين لا يمكن الفصل بينهما، فلا يمكن اختيار توسيع وجهات الطيران للمطارات المكتظة، و وضع طواقم على الأرض تعمل على تقليل مدة مكوث الطائرات في هذه المطارات (كما فعلت كونتيننتال).

عندما سُئلت “ساوث-ويست” عن سر نجاحها، كانت اجابتها، أن كل عملية كبيرة و صغيرة داخل الشركة لها تأثيير بالغ الأهمية على كامل الشركة.


التموضع الاستراتيجي