حيل حياتية

كيف تكسر روتينك اليومي؟

كيف تكسر روتينك اليومي؟

الصينيون كانت لديهم عادة غريبة في تعذيب السجناء، وهي أن يضعوا السجين ممددا تحت انبوب يقطر ماء على جبينه بمعدل قطرة ماء كل دقيقة، وتسقط هذه القطرة فوق جبين السجين ثم تنزلق على وجهه دون ان يستطيع مسحها، وتتكرر هذه العملية أياما وشهورا حتى يموت السجين بسبب التكرار الممل وبسبب رغبته القاتلة في حك جبينه عقب انحدار الماء فوقه، وايضا عدم قدرته على ذلك. فهذا الروتين المتكرر في سقوط القطرة على جبين السجين ولفترة طويلة هو الذي دفعه للانتحار الداخلي وينهي وظائفه البيولوجية بهذه الطريقة المملة؛ ولذلك تسمى هذه الطريقة بالتعذيب بواسطة التكرار الممل، او الروتين القاتل. السؤال هنا: ترى كم واحد منا يمارس هذا التعذيب في حياته؟ ليس على الاخرين، ولكن على نفسه.

كيف تكسر روتينك وتقضي على الملل؟

هناك من يصحو كل يوم على نفس الروتين الذي اعتاد عليه في حياته، نفس التفكير ونفس العادات والتصرفات والكلمات وبنفس النمط التقليدي الذي عرف به منذ زمن بعيد، حتى يسبب الملل والدمار لحياته النفسية ويصاب بالاجهاد لأقل عمل يقوم به ولا يستمتع بأي شيء يعمله، ويشعر بالانقباض الداخلي دون ان يدرك بأن سبب كل هذا هو عيشه في روتين ممل ومتكرر افقده الشعور بالاثارة والاستمتاع، ولذلك حتى ينقذ نفسه من هذا الانتحار البطيء عليه ان يكسر روتين حياته وعليه ان يدخل على حياته شيئا من المغامرة والاثارة.

اظهرت الدراسات أن الدخول في تجارب ومواقف جديدة تثير التحدي وحب الفضول والاستطلاع تزيد من معدلات السعادة داخل النفس. عملية كسر الروتين عملية دهنية بالاساس، فنحن سريعا ما نتكيف مع المكان الذي نعيش فيه والوضع الذي نكون فيه والعادات التي نمارسها، ولا نتقبل بسهولة التغيير بأي شيء من واقعنا، لو طلب منا احد ان نغير من هواياتنا مثلا، او من الاماكن التي نذهب اليها او حتى الطعام الذي اعتدنا عليه استصعبنا ذلك، لأنه سيكسر ما تعودنا عليه لفترة طويلة، ولذلك فالتغيير دائما يبدأ من الدهن ومن تغيير العادات الدهنية قبل كل شيء، حتى يسهل علينا بعد ذلك التجديد.

الامر الاخر هو ان نراجع ونقيم طريقة حياتنا، هل هي فعلا مملة او أننا في الحقيقة نقارن حياتنا بحياة الاخرين ونعتقد بأن حياتنا مملة بينما نحن نملك جوانب كثيرة وجميلة في حياتنا ولا ننتبه لها.

في بعض المتاجر في الخارج يتم استخدام مصطلح " الساعة السعيدة "، حيث تقدم هذه المتاجر المنتجات بسعر منخفض لفترة محدودة لإطفاء السعادة على الزبائن. فهل يمكننا ان نصنع لانفسنا الساعة السعيدة في اليوم او الاسبوع او حتى في الشهر؟ ممكن ان نخصص دقيقة من وقتنا في ممارسة شيء نحبه، ونركز في هذه الدقائق فقط على ان نستمتع ولا نفكر في اي شيء آخر، ثم لماذا لا يكون هناك اليوم السعيد مثلا نطبقه في الاسبوع او الشهر ويكون لنا فرصة لتجربة شيء جديد.

ماذا مثلا لو وضعنا قائمة بالاشياء التي تجعلنا سعداء وتشعرنا بالشغف وبالطاقة، بالتأكيد كل واحد منا لديه ما لا يقل عن عشرة أمور تسعده في حياته اذا قام بها. فلماذا لا نحددها ونكتبها في ورقة ثم نخصص مسافة من الوقت لتنفيذها.

لماذا مثلا لا نجدد علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، نصلي ركعتين من غير الفريضة او السنن الرواتب، نطيل فيهما السجود ما امكن، ولا نفكر في اي شيء آخر. لماذا لا نمارس رياضة جديدة لم نمارسها من قبل؟ او نذهب الى دولة لم نزرها من قبل؟ لماذا مثلا لا نسعى للتعرف على شخصيات جديدة؟ لماذا لا نجدد في المظهر او في الوان الملابس او حتى في نوع العطر او ديكور المنزل، او حتى توزيع الاثاث؟ لماذا لا نتابع حسابات جديدة ومفيدة في مواقع التواصل الاجتماعي؟ او حتى ان نشارك في مبادرات تطوعية داخل الدولة او حتى في مسابقات رياضية او فنية؟ لماذا لا نحظر معارض ومنتديات أدبية واجتماعية؟ فلماذا لا نكسر روتين حياتنا ونحظر فعاليات في غير مجال عملنا لنتعرف على شيء مختلف يجدد في داخلنا الفضول والمعرفة وحتى تتسع خبراتنا في العالم وتزداد معارفنا ونجعل من انفسنا اشخاصا اكثر سعادة ونعيد بكل هذا تصميم حياتنا بشكل اكثر متعة واثارة؟

يقول الكاتب أنيس منصور:

إن السعادة ما هي إلا مجموعة من الاشياء مجتمعة معا. اذن يمكن لكل شخص ان يكون سعيدا بدرجة معينة مادام قادرا على القيام ببعض الاشياء البسيطة والممتعة بالنسبة له.

وهناك مقولة تقول:

اجعل حياة غيرك افضل تأتيك السعادة لوحدها.

إن اجمل شيء في كسر روتين الحياة هو مشاركة السعادة مع الغير. فماذا مثلا لو فاجأنا والدينا بهدية جميلة او اصطحابهم الى مكان يسعدهم؟ ماذا لو فاجأنا اخواننا واخواتنا بدعوة على العشاء او أقمنا حفلة لأحدهم بمناسبة نجاح او ترقية او بدون مناسبة، مجرد اثبات لحبنا لهم ولمشاعرنا تجاههم؟ ماذا مثلا لو قمنا بزيارة لأناس ابتعدنا عنهم لفترة طويلة او حتى ان نهاتف صديقا ندعوه الى رحلة سريعة؟

عندنا زحمة في المشاغل وقلة في الوقت، فلنرتب اولوياتنا، ولا ننتظر أحدا ليأتي ليساعدنا ويدعونا لتحسين حياتنا ويرجونا ان نطور من انفسنا ونغير من حالنا الى حال افضل، فإذا كنا نحن لا نريد ان نساعد انفسنا، فكيف للاخرين ان ترغبوا في مساعدتنا؛ فلنبدأ في التغيير في حياتنا، هذه أهم خطوة للاستمتاع في الحياة.


الروتين كسر الروتين كسر الروتين اليومي