تنمية ذاتية

مهارة الوعي بالذات

مهارة الوعي بالذات

مهارة الوعي بالذات هي اقل المهارات نموا لدى الانسان، كما اكد على ذلك علماء النفس مئات المرات ان لم يكن آلآف المرات، ودائما تكون النتيجة ان البشر جميعا اضعف ما يكونون في هذه النقطة بالذات .. الوعي بالذات. فما معنى الوعي بالذات؟

مهارة الوعي بالذات

الوعي بالذات هو ان تحاول ان تتجاوز ذاتك. كيف أتجاوز ذاتي؟ ان أتجاوز إطاري المعهود المصطنع في التفكير؛ كل انسان لديه إطار في التفكير، إطار في المعتقدات، إطار في السلوكات والتعاملات، ... تعوده واكتسبه بمرور الايام. هذا الاطار عليك ان تحاول ان تتجاوزه، طبعا لن تتجاوزه من خلاله، وانما من شيء اوسع منه، يعني ان تُحدث فراغا او فاصلا بينك وبين اطارك لتتأمل: اولا افعالك؛ هذا يعرف في المنطق او المصطلح الديني بحساب النفس، اي الصورة الفلسفية و السيكولوجية لمحاسبة النفس هي ان يكون لك ولديك وعي بذاتك وان يكون لديك لحظات استبصار ناجمة عن لحظات تركيزية مكثفة من تحليل الذات بإنشاء الفاصلة هذه - بينك بين إطارك - ومحاولة مراقبة افعالك، ثم ان أردنا ان نُقَوِّمَ هذه الافعال لا بد ان نراقب وان نحاكم دوافعها وحوافزها وحقيقة هذه الدوافع؛ احيانا الانسان يُقسم اعظم وربما اصدق الاقسام على صحة نيته وهو صادق في حدود الشعور، لكنه فيما وراء الشعور فهو غير صادق بالمرة، لانه ليس مستبصرا بذاته؛ احيانا تجده محدونا على نفسه، لماذا انا متناقض الى هذه الدرجة؟ لماذا مشاعري متناقضة؟!... ، هي ليست متناقضة إزاء حالة واحدة، فهذا معروف، وإنما متناقضة بطريقة اخرى مصداقا للتناقض المنطقي؛ لاحظنا هذا ونلاحظه يوميا حتى في الناضجين الراشدين في من دخلوا العقد الرابع و الخامس وحتى السادس من اعمارهم، يكون له اليوم موقف مثلا في قضية معينة او من فلان الفلاني مؤسس على الاعجاب و المديح والاشادة، غدا يختلف الموقف بالكلية، يصبح هذا القديس ابليس، كيف هذا؟ لان هذا الشخص غير واع بذاته، الشخص الجاهز لاصدار الاحكام السلبية و الايجابية و اشهاد الله عليه غير واع بذاته، هذه مشكلته، فهم صادق المسكين لكنه غير واع بذاته؛ كيف؟ الامر الى حد الآن لم يضح، سنوضحه اكثر.

حين تكون واعيا بذاتك، تقوم وتحاكم افعالك و دوافعك وحوافزك و باكثر من طريقة وباكثر من مقاربة لكي تصل الى درجة مقبولة من الشفافية مع النفس؛ ما الذي يحصل؟ يجب ان نتبرأ من حيلة خطيرة جدا كلنا تقريبا مصابون بها وهي حيلة #الاسقاط. الذي لا يستطيع ان يحقق هذا يتعامل مع الكون ومع المجتمع على أساس اسقاط ذاته على كل ومن حوله، فهو يرى كل من حوله من خلال ذاته، وهذه حالة نرجيسية بلا شك، تمركزية حول الذات. فالناس عنده طيبون او خبيثون بحسب الموقف الراهن منه، اليوم طيبون غدا خبيثون، لا يستطيع ان يحاسب نفسه لحظة ان وضعه ايضا اختلف، شخصيته اختلفت و الناس بدأوا يختلفوا بالنسبة له فهم اذا خبيثون وغير جديرين بالثقة الى غير ذلك من الاوصاف، لكن في الحقيقة هو غير الطبيعي والجاهل بذاته.

لذلك من قديم، من أيام سقراط عبارته المشهورة التي كتبت على واجهة معبد "ديلفي" يقول: ' اعرف نفسك '.
الان هناك من يسقط نفسه على ما ومن حوله، والنتيجة؟ هذه النتيجة معهودة فينا، وهي كارثية، ستحاسب نفسك من خلال دوافعك ودائما انت بريء، فدوافع نزيهة وطيبة، وستحاسب الاخرين من خلال افعالهم، ما هذا العدل؟! ما هذا الظلم! وهذا يؤشر على عدم الوعي بالذات والى شخصية غير مكتملة، غير ناضجة، وغير واعية بنفسها؛ اما الشخصية التي اصطنعت هذه الفاصلة و ادمنت ان تصطنع هذه الفاصلة لكي تكون على مبعد او تقتحم عقبة النرجيسية و الاسقاط وتقوم افعالها ودوافعها وحوافزها وبنوع من الصدق و الشفافية فإنها شخصية يمكن ان تؤدي الدور المعاكس تماما، تحاسب نفسها من خلال مواقفها و تحاسب الاخرين بافتراض دوافع طيبة لهم، وهذا ايضا موجود وحاضر في تراثنا الديني؛ يقول احد العارفين: إذا عَمَلْتَ نفسك فتَشَرَّع، بمعنى لا تتكلم عن الدوافع بل عن المواقف والافعال والوقائع، هذا معنى فتشرع، وإذا عَمَلْتَ الخلق فتحقق، اي حاول ان تكتسب بقدر وعيك بذاتك منظورا الهيا، حاول ان تفترض لهم الافتراضات الطيبة، حاول ان تتقمص حالات ضعفهم وهشاشتهم وظروفهم المختلفة عن ظروفك، والتي الجأتهم ربما ان يكونوا بهذا الضعف وبهذه الهشاشة.

ساحكي لكم قصتين تبينان تجليات التوعية بالذات:

رجل وعلى مرأى من الناس، يجتهد في احراجك وفي تحقيرك وفي تسويد وجهك، تستطيع ببساطة ان ترد عليه بجملة واحدة لانه هو مثابة لما يحرج والى ما يسود الوجه، لكنك لن تفعل، لأنك اكبر و انضج، بالعكس هو يحاول ان يسيء اليك و انت ترحمه، تقول في نفسك: المسكين يحاول ان ينفس بطريقة خاطئة عن مشاكله التي اعرفها جيدا، لن نكون اعوانا لشيطانه ولزمانه عليه، بالعكس سنرحمه وسنعطيه الان راهنا ما يحب لعله يتزن قليلا المسكين، لأنه جدير بدموعنا وليس بضرباتنا، لكن هذا لا يفهمه الا من نضج حقيقة.

رجل أراد ان يشتري سيارة وهي السيارة الاولى في حياته، طبعا ففرحته بها كبرى وفرحة اسرته كذلك، لكن أحد اصدقائه الاثرين لم يكلف خاطره ان يبارك له سيارته مع عائلته في الأيام الأولى، تأخر عليه جدا حتى ذهبت بهجة الجديد و اوشك الجديد ان يكون قديما، وتدور الايام دورتها ويفكر هذا الاخر الذي يبدوا غير ناضج بما فيه الكفاية ان يشتري سيارة وهي ليست الاولى في حياته ويصر على الاخر ان يحضر برنامج التحضير لشراء السيارة قبل ان تُشترى، يلبي الاخر مباشرة من باب الشفقة ومراعاة الحالة النفسية لهذا الذي لم ينضج.


الوعي بالذات