مجتمع

تأثير صلة الرحم على النفس البشرية

تأثير صلة الرحم على النفس البشرية

تأثير صلة الرحم على النفس البشرية طغى عصر الماديات على كل التصرفات، وأهمِلت الروحانيات كأنّنا قطع جماد بلا أرواح، آلات حرب بمحركات عدائية منطلقة على الأرض دون كبح أو توجيه، وفي خضم كل هذا التحجّر والإبتعاد عن الفضيلة، ضاعت المعاني الأسرية السامية، فوجدنا الجزء ينصرف عن الجزء منه، فلا الرأس يتداعى للجسد إن مرض أو أصابته الحمّى، لكلٍّ شأنه ومربط فرسه، ينكمش في زاويته على نفسه، مكتفيا بما يكدّسه فيها من تحصيل للمادة ومتاع منتهٍ لا محالة، فلماذا نحسن إلى الطرف الآخر بنفس المقدار الذي أحسن به إلينا؟ أليس ذلك إجحافا في حق أنفسنا؟ وما تأثير ذلك على استقرارنا النفسي وصلاح حالنا؟

لماذا قطيعة الرحم؟

في كثير من الأحيان يُقدم الإنسان على تصرفات يراها بسيطة جدا، ولا يحملها محمل الجدّ، حتى تفعل فعلتها وتحطّم الأواصر والعلاقات، وفي المقابل كثيرا ما نجد الطرف الآخر يزيد المشكلة تعقيدا بعدم تفهّمه وتعطيله لمبدأ الحوار والتسامح، وتبدو هذه المظاهر جليّة في العناصر التالية:

الأقوال:

البعض منّا يأخذ في التأويل بين كل الجوانب والمعاني المحتملة وغير المحتملة بسبب جملة واحدة قيلت عن قصد أو غير قصد، فلا نتوانى لحظة في أن نتّهم الطرف الآخر بكل المسمّيات لأنّه قال فينا ما سمعناه أو نقلته لنا النفوس الحاقدة التي لا ترجو لنا الفلاح والتوفيق، هي الكلمات التي لا نودّ سماعها، فهل علم أحدنا أن ليس من البشر أحد قد سلم من ذلك، فهؤلاء أنبياء الله ولم يسلموا، كما حصل مع نبي الله موسى عليه السلام حين سأل الله أن يكفّ عنه ألسنة الناس، فقال له الله سبحانه وتعالى: “يا موسى، ما اتخذت ذلك لنفسي، إنّي أخلقهم وأرزقهم، وإنهم يسبُّونَنِي ويشتُموننِي”، لذلك على الإنسان أن لا يشغل باله بالأقاويل ويوسّع باله.

الأفعال:

كثيرا ما تذبل العلاقات وقد تموت بسبب أفعال ظالمة للطرف الآخر، كأن يظلم الأخ أخاه بعدم إعطائه حقه من الميراث أو توريطه في إحدى المشاكل التي لا مخرج منها، في الغالب يكون المال السبب الأول لكلّ الخلافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لماذا علينا أن نصل أرحامنا؟

آثار قطيعة الرحم على النفس:

لا شك أن الإنسان بطبعه الجبليّ اجتماعي، يستأنس بمعاشرة إخوانه ويسعد بوصلهم، وإن ما أخذ في تأزيم المشاكل حتى وجد نفسه موحشة مظلمة، وكأن السماء قد أطبقت عليه، يزاحم نفسه بنفسه ولا يجد لها مخرجا، فإذا دعى الإنسان نفسه إلى التسامح، قبل كل شيء رحمة بنفسه، وحرصا منه على تحقيق غد أفضل، نال السعادة والرضا، كما كان يقول الدكتور إبراهيم الفقي في محاضراته أنّ الذي لا يسامح يكون ظالما لنفسه، لأنّه يكلّفها عبء الكره والحقد والشعور السلبي، الذي يعطّل إحتفاءه بنفسه وحبّه للحياة وراحة باله.

كيف نصلح ما أفسدناه؟

العفو عند المقدرة: من أهم السلوكيات التي ترفع التقدير الذاتي، وتشعر الإنسان بقوّته وقدرته على تحمل المشاق والصعاب، فيكتسب نفسا منشرحة سعيدة…

العفو صفة الأخيار والصالحين، فإن كان ربنا ذو القوة المتين يعفو، ونحن الضعفاء كيف لا نعفو؟

البدأ بالتحية: الخير الوافر والواسع للمسامح الذي يبدأ أخاه بالتحية، فإن كان فعله هذا ليدلّ على شيء فإنما يدل على سعة أخلاقه وسمو روحه، لا شك أنّ قدره سيعلو عند الطرف الآخر، ويكسبه إحتراما كبيرا، وإن كان الطرف الآخر متحجّرا متمسكا بالقطيعة، فإنّه الأولى بأن يوصل، لأنّ الأصل في عبادة صلة الرحم فيه، وحسن التصرف واللباقة تجعله يشعر بحقارة فعله في نفسه.

الهدية: توثّق الهدية العلاقات بين أطرافها، وتجعلها زاخرة بالحب والألفة، ما يكسبها قوة وحصانة ضد التشتت والقطيعة.

صلة الرحم لمن يقاطعك

كان أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) يتولى نفقة إبن خالته، بسبب سوء وضعه المعيشي وفقره، وحين حصلت حادثة الإفك في حق عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) كان ابن خالته من الذين تحدثوا فيها، فقطع عنه النفقة، كأضعف ردة فعل قد يفعلها أحدنا في أيامنا هذه، وبعدها أنزل الله تعالى آياته ليعطينا مثالا راقيا يصف طهر التعامل الإجتماعي والتسامح الأسري في قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فقال أبوبكر رضي الله عنه: بلى، أي بلى أحب أن يغفر الله لي وأن يعفو عني، فعدل عن فعله وأعاد له النفقة.

وأنت تقرأ هذا الموضوع… إن كان قد حصل أيّ خلاف بينك وبين أحد أقاربك فلا يرجّح أنّه قد فاق ما فعله إبن خالة أبي بكر، وأنت أيضا… ألا تحب أن يغفر لك الله؟، وإن كان لشيء قادر على أن يردع نفسك المكابرة فتذكّر أن هذه الحياة قد تنتهي في أية لحظة دون استشارة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّثك: “لا يدخل الجنة قاطع رحم“.


تأثير صلة الرحم