تنمية ذاتية

كيف تتخلص من العادات السيئة؟

كيف تتخلص من العادات السيئة؟

لكي تتخلص من العادات السيئة في حياتك يجب عليك أن تعي خطورة العادات السيئة على حياتك، “التدخين يؤذي رئتيك!.. ألا تعلمُ ذلك؟” الإجابة البسيطة على هذا السؤال هي “بلى”. نعرف جميعنا ذلك جيدا بشكلٍ يستبعد أيّ خلافٍ منطقي إذا قالها أيّ شخصٍ لآخر بيننا، لكن عندما تجمعُك الصدفة بأن تسمَع صغيرا في السابعة يصرخُ بها في وجه شاب في ثلاثِ أضعافِ عمره، يُمسك سيجارةً بإحدى يديه ويتّكئ مستندا مائلا على جدار باليد الأخرى.. ستدرِكُ جيّدا أنّ المعلومة وحدها لا تعني أننا نعرف، وأنّ الوعي ليس بالشيء السطحي البسيط الذي نعتقده.

العادات السيئة في يومياتنا

بإلقاء نظرةٍ على ما نفعلُه في يومنا، سنجد أن مُعظمنا يستيقظ باكرا -أو متأخرا- صباحا، يتناولُ إفطارَه على عجل، ثم يتوجّه إلى انشغاله: العاملُ إلى عمله، الطالب إلى جامعته، والعاطل عن العملِ إلى أقربِ جدارٍ يَصلُح أن يتّكئ عليه.

نعودُ مساءً جميعا لننام من الإرهاق، ثم نستيقظُ صباحا مُجدَّدا، ونكرِّرُ العمليّة.. أثناء فترة التكرار هذه ونحن محتجزون رهائنَ هذا الروتين اليومي، سيكون محكوم علينا أن نُمارِس سلوكيّاتٍ مختلفة، بعضها جيّد فعلا، وبعضها الآخرُ سيّء، وبعضها للأسف سيء جدًّا لدرجة قد تُودي بحياتنا حرفيا -مع الالتزام به-.

ورغم هذا الفرق بين النفع والضرر، تتفق هذه السلوكيات في كوننا نختارها جميعا برغبتنا دون أن يُرغِمنا عليها أحد. فمثلما تعتاد ربّة البيت على تناول قِطَع الحلوى العملاقة الواحدةَ تلو الأخرى، قد يُدمِن زوجُها المحاسِبُ تناول علبتين من السجائر يوميا، في الحين الذي يقضي فيه طفلهما الطريق إلى المدرسة صباحا في إلقاء التحيّةِ مبتسما على جميعِ من يصادفه.

في مرحلة الاعتياد هذه، يكون وعيُنا مُركّزا على الرغبة التي تُحفِّزنا لتكرار السلوك مرة بعد الأخرى. فمثلما كان الطفل الصغير يُدرك جيّدا وبوعي كاملٍ أنّ التدخينَ ضارٌ بالصحة، يُدرك الشاب المدخّن هو الآخر ذلك حتما، لكنّ ذهنه كان أكثرَ تركيزا على أشياء أخرى هي في نظره أهمّ، مثل كونه بتدخينه بتلكَ الطريقة سيبدو رائعا وشبيها بمشاهير الأفلام! نحنُ للأسف نبقى على هذه الحال لفترةٍ لا تفصِلُها فتراتُ مراجعةٍ جادّة أو تفكيرٍ حقيقي فيما نفعل، وفيما يؤول فعلنا إليه، و-غالبا- نَصبِرُ حتى تتحوّل الشوكولاطة من “مذاقٍ رائعٍ” إلى “بدانة”، والسجائر من مجرّد “أداةِ تباهٍ” أو “وسيلة تنفيسٍ” إلى “وصفاتٍ طبيّة”، لنبدأ بالتفكير جديا في تصنيف هذه العادات تحتَ بندِ “العادات السيئة” ونبدأ بمحاولات إجبارِ أنفسنا على الانفصالِ عنها.

أفضل طريقة للتخلي عن العادات السيئة

الإنتباه إلى مدى سوء عاداتنا السيئة التي أصبحت فجأةً ضخمة بعد أن كانت مجهرية -أو مُتجاهَلة- يولّد حالة من الهروبِ والانقطاع المفاجئ، بيدَ أنّ علماء طبّ النفس يُؤكّدون أنّ الانتقال من مرحلة “الرغبة المُلحّة في السلوك” إلى مرحلة “إجبارِ أنفسنا على التخلي عنه في أسرع وقتٍ ممكن”، نادرا ما تكون مُجدية حتى وإن كانت هي الطريقة الأكثر شيوعا بين أوساط الناس. ولإثبات ذلك، قام الطبيب النفسي Dr. Judson Brewer  بتجربة بسيطة في مختبره(1)، أحضر مجموعة من المدخنين، وطلب منهم أن يُجبِروا أنفسهم على التوقف عن التدخين: لقد حاولوا ذلك فعلا، لكنهم فشلوا بمعدل ستّ محاولات.

بالمقابل، ومحاولةً منه لاكتشاف طريقةٍ أفضل لفعل ذلك، إستخدَم أسلوبا آخر سمّاه “برنامجَ التدريبِ الواعي“، يعتمدُ هذا الأسلوب بشكل خاص على “صفة الفضول” لدى المعنيين: أحضَرَ مجموعة المدخنين نفسها ثمّ قال لهم بالنص: “هيا دخّنوا!.. نعم! فقط كونوا إلى جانب ذلك فضوليين حولَ ما سيكون عليه الأمر عندما تفعلون ذلك!”

وماذا بعد؟. لقد جرّب جميعهم ذلك طبعا، الفضولُ نحو نتائجِ ما نفعلُه ومراقَبَتُها ممتِعٌ أكثر من كونه صعباً، وإليكم النتيجة مثالا على لسان إحدى الخاضعاتِ للاختبار: “التدخين الواعي تنبعث منه رائحةُ الجبنةِ الفاسدة! إنّ طعمه يُشبِه طعمَ الكيماوِيّات.. إنه كريه! يععع!”.

“لقد أدرَكَت هنا معرفيّا أنّ التدخين ضارٌّ بالنسبةِ إليها، فانضمّت بسهولة إلى برنامجِ الإقلاع عن التدخين، لقد انتقلَت من مرحلة معرفتها بالتدخين إلى مرحلة وعيٍ حقيقية لما يفعله بها..” يقول الدكتور جيدسون.

وحوصلةً للتجربة، نتائجُ هذا البرنامج بالنسبة لباقي المشاركين أثبتت أنّ الاعتماد على “برنامج التدريب الواعي” كانت أفضل من أحسن الوسائل التي تُستعمل طبيّا للتوقف عن التدخين بمعدل ضعفين على الأقل (×2).

برنامج التدريب الواعي

شرحا للفرقِ بين الأسلوبين (إجبار نفسك على التخلي عن عادة سيئة مقابل برنامج التدريب الواعي)، يُثبت د.جيدسون أنّ رؤيتنا لعاداتنا السيئة بوضوح، تعطينا نظرة أعمقَ لمدى سلبية ما تُسبّبه لنا، وتفاعُلاً مع خيبةِ الأملِ هذه، نحن لا نُجبِر أنفسنا على عدمِ الرّجوع إلى الوراء، نحن نصبح فقط أقلّ اهتماما بالقيام بها في المقام الأول، فنستغني عنها طبيعيا.

هذا لا يعني أنّ المُدخن سيتوقّف عن التدخين مباشرة كما لو بمفعول السحر، ولكن بالتّدريج سيبدأ بهجرِ عاداتِه السلبية واستبدالها بأخرى أكثر صحية.

التفسير العلمي

أحد النظريات القائمة حاليا تثبت أن المنطقة المسؤولة عن تحفيزِنا لتكرارِ عاداتِنا تتواجدُ في الفصّ الحزاميّ الخلفي للدماغ (le cortex cingulaire postérieur)، هذه المنطقة لا يتم تنشيطها بواسطة الرغبة في ممارسة العادة السيئة فحسب، بل تُنشّط أيضا من خلال تركيزنا على الابتعاد عنها عندما نُجبِر أنفسنا على إطفاء تلك الرّغبة. في المقابل،  عندما نكتفي بالفضولِ نحو ما ينعكس علينا من خلال ممارستها، ونُركّز على خبرتنا ووَعيِنا بما سيفيد به تخلّينا عنها، فإن هذه المنطقة تهدأ تلقائيا!

ماذا لو لم تكن مُدخّنا ولا بدينا..؟!

صحيح أنّ التدخين والبدانة يُعتبران من الأسبابِ الرئيسية لأخطر الأمراضِ في العالم، لكن بالتفكير في الأمر بينكَ وبينَ نفسك، أو لِندَع الأمر علَنا حتى لا نبدو كمن يخفي سرا شائعا أصلا. نحن العالم المُستَنزَفُ من دقائقِ وقته حتى أصغرِ خلايا جسَده، نعي جيّدا أنّنا مُمتلِئون حتى التخمة بالعاداتِ السيئة التي قبلَ أن تكون منافيةً لأسبابِ تطوّر أولئك الذين سبقونا علما وإنجازا وأثرا، هي منافيةٌ بالدرجة الأولى لتعاليمِ دينٍ يُفترض أنّنا نعتزّ بقيمه وبما تدعونا إليهِ من حياةٍ طيبةٍ وإحسانِ عملٍ وحُسنِ أثر.

الإحصاء رُبّما غير موثّق بالأرقام، لكنّ قائمة العادات السيئة -التي نلحظ بوضوح أثرها- والتي تمتد مما هو أكثر سوءا من التدخين، إلى إدمان التسكّع على الطرقات (أو على الإنترنت)، إلى بذلِ الوقتِ في الكلامِ هدرا وثرثرةً، إلى إدمان اللاشيء! قائمةٌ طويلةٌ يستطيع أيّ منا إيجاد نفسه من خلالها..

تجربة برنامجِ التدريب الواعي التي قام بها د.جيدسون كانت على عيّنة (س) من واشنطون، والنقطة المضافة إلى رصيدنا، والتي نتميز بها عن (س) هي أننا نملكُ نظرةً أشملَ لو أردناَ وضعَ أنفسنا تحت التجربة، نحن الذين نؤمن بيوم الحساب وبعدل الجزاء في الدنيا والآخرة، وبالحياةِ الطيبة وبعيشةِ الشقاء التي نختار إحداهما بإرادتنا، ونتحمل نتيجتها نحن وما نفعل وحدنا أيضا، ولعل أفضل ما يلخص ذلك قولُ الإمام أبو الحسن الماوردي: «فإذا انقادت النّفسُ للعقلِ بما أُشعِرت من عواقبِ الهوى، لم يلبث الهوى أن يصير بالعقلِ مدحورا وبالنفسِ مقهورا ثمّ له الحظّ الأوفى في ثوابِ الخالقِ وثناءِ المخلوقين(2): قال تعالى: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”(3) »

نحتاج فقط نظرةً جدّية لتقييم ما نقوم به، نظرة كالتي يصفها ابن القيم في قوله: “والعاقل الكيس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها فيرى ما وراء تلك الستور”(4)، نحتاج وبشدّة إلى أن نتخلى هذه المرّة عن السطحية، وأن نُسلّط الضوءَ على علاقتنا بعاداتنا من الداخل من خلال وعيِنا الحقيقي بما نفعل. وبطرح سؤال “ماذا يفعل بي هذا بالضبط…؟!” نستطيعُ أن نفتحَ آفاقَ حلولٍ لعاداتٍ ربما كُنا لفترةٍ طويلة نعاني من محاولاتِ التخلص منها ثم ننتكس.

لا تستصغر ما يبدو من بعيدٍ عادةً بسيطةَ الأثرِ وهو في الحقيقة يستنزف صحّتك ووقتَك وراحتَك. راقب نتائج عاداتِك تلك ببعد نظر، وكن فضوليا لمعرفةِ ما ستُفيدهُ مقابل تخليكَ عنها! ستكتَشِف بعدها بانبهار انحسارها عنك بشكلٍ أسهل، وستجِدُ نفسَك سعيدا بتوقيع عقدِ شراكةٍ جديد مع عاداتٍ أفضل وأكثر صحيّةً بالمقابل.

تخليك عن العادات السيئة ليس معجزة، فقط كن فضوليّا حريصا.. واستمتع بذلك!

المراجع

1– محاضرة لـ د. جيدسون – نوفمبر 2015 – على موقع TED  بعنوان: A simple way to break a bad habit

2- أبو الحسن الماوردي: أدب الدنيا والدين ص27

3- سورة النازعات -40-41


العادات السيئة التخلص من العادات السيئة