تاريخ

قصة أول لص فى مصر

قصة أول لص فى مصر

إن الجريمة بشكلها العام، تعتبر أقدم سلوك عرفه الإنسان، فالخير و الشر متأصلان فى نفسه. لكن ما نحن بصدد الحديث عنه هنا، هى أول جريمة تصلنا موثقة بشكل يجعنا نشعر و كأنها قد وقعت منذ عدة أيام و ليس بضعة آلاف من السنين.

إنها حلقة من سلسلة أفلام وثائقية بعنوان ” قصص القبور ” تتحدث عن أحداث و حكايات مكتوبة على جدران المعابد الفرعونية القديمة و أوراق البردى كذلك.

أول لص في مصر

قصتنا لليوم عن أول لص أضرحة عرفه التاريخ، إنه رجل مصرى اسمه بانيب، كان بانيب طفلاً من أطفال الشوارع تبناه مشرف عمال بناء ذي نفوذ فى منطقة قريبة من دير المدينة بوادى الملوك، الأقصر.

كبر بانيب فى كنف والده بالتبنى براحة، و قد عاش حياة رغدة، نظرا لما كان يوفره الملوك الفراعنة من المؤن و الطعام لقرى العمال الملحقة بمشاريعهم المعمارية الضخمة . فالخبز و البيرة و الخضروات و السمك متوفرين بكثافة، حيث كان نصيب كل عائلة أربعة كيلو جرامات من السمك فى اليوم، نظريا لا يفترض أن يكون بانيب بحاجة لشىء من أساسيات الحياة وفق نمط العيش هذا، إنما صاحبنا كان متطلعا للمال و الثراء الفاحش السريع.

فى شبابه لم يخف بانيب رغبته الملحة و الفاجرة فى تولى منصب مشرف العمال بدلا من والده بالتبنى، بل و لم يخجل من إعلان هذه الرغبة بين الناس و فى محافل و أماكن مختلفة، هنا نحن بصدد خيط درامى يعلو وتره تماما كفيلم من أفلام وودى آلالان، غير أن المختلف هذه المرة أنه ليس فيلما و إنما واقعا لشد ما هو قريب بنا لدرجة مدهشة، حنى نشعر بأن بانيب كان بيننا يوماً ما.

فى ظروف غامضة و غير مفهومة قتل والد بانيب بالتبنى، حيث وجدوا جثته فى صباح إحدى الأيام ملقاة على وجهها بالسوق، لا تحرك ساكنا.

لم يكن ثمة دماء، مما رجح أن يكون الرجل قد مات مسموماً، و للمصريين القدماء تاريخ طويل و عريق فى دراسة النباتات و استخلاص زيوتها و معرفة النافع منها و السام حيث كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية لأغراض الطعام و النظافة الشخصية و التحنيط بل و حتى العلاج و التداوى وصولا للقتل.

لم يعرف بالطبع من هو القاتل، رغم توجه كل الشكوك نحو بانيب، غير أنه لم يكن هناك ثمة دليل واحد يدينه، اللهم إلا كلامه و تصريحه مرات عديدة برغبته فى تولى منصب والده بالتبنى، غير أنها تظل كلمات فى الهواء من شاب طائش لا يعتد بها كثيراً.

بعد وفاة والده، شاهده أحد المارة و هو يرشو مسئولاً محليا، بعدها تمكن بانيب أخيراً من تحقيق حلمه، و تولى منصب والده كمشرف عمال، غير أن الشيطان يكمن فى التفاصيل كما يقول الكليشيه العتيق، فى حالتنا هذه لم يكن شيطاناُ فعليا، بل كان رجلا، إنه عم بانيب بالتبنى و شقيق القتيل.

لا يخفى على أحد، شعور رجل فى الأربعينيات من عمره بالغبن و الغيظ  و هو يرى شاب غض يتولى منصب أخيه الذى يرى نفسه الأحق به، ليس هذا فحسب بل إن هذا الشاب تثار الكثير من الشكوك حول ضلوعه فى مقتل أخيه.

بهذه الدوافع تحرك عم بانيب بالتبنى لمراقبته، كان يرصد تحركاته كلها و يسجلها لحظة بلحظة، و هذه البرديات التى وصلتنا تعتبر أول توثيق قديم لتحركات لص ما، كان بانيب من البجاحة بمكان أن يختار سرقة قبور الملوك الفراعنة، و هو أمر جليل، ليس فقط لكونه حرمة دينية حينئذا، لكن أيضا كون عقوبته كانت قاسية و مميتة، و هى الموت بالخازوق.

لم يكن بانيب مهتما بهذه العواقب الدنيوية أو الآخروية حتى، لقد كان طامعا مستهتراً، يسجل لنا عمه عن أول حادثة سرقة يقوم بها بانيب فى وضح النهار، لقد شاهده و هو يحضر جنازة أحد الملوك الفراعنة و قد قام بسرقة إوزة ذهبية – حسبما يروى لنا – ، و مع أنه أنكر سرقتها إلا أنها قد وجدت بالفعل فى بيته بعد ذلك.

لنتصور مدى صعوبة الأمر علينا تخيل أن هؤلاء اللصوص كانوا بحاجة لحفر أمتار عميقة فى الرمال و من ثم تكسير صخور صلبة للوصول إلى الضريح و بالتالى الكنوز، و عليه فقد كان عملا شاقا، و محفوفاً بالمخاطر كما أنه كان و لابد أن يكون جماعيا، لذا احتاج بانيب أن يكون مشرف عمال حتى يتمكن من تجنيد العمال بالأعداد المطلوبة و الكافية واعدا اياهم بنصيب من السرقة، كما  قام برشوة الحراس حتى يتمكن من دخول المقابر التى يعرفها جيداً، و ليتجاهلوا الضوضاء الصادرة عن الحفر و التكسير. لقد كان بانيب شخصية فريدة بحق، فهو يشرف على بناء الضرحة نهاراً، ليقوم بسرقتها ليلاً.

كانوا يسرقون الكتان عال الجودة – و هو غال الثمن – ، و الزيوت، و يقومون ببيع الأثاث الموجود داخل المقابر فى السوق السوداء المحلية، أما المشغولات الذهبية و الفضية فقد كان بانيب يقوم بتسخينها على نار حامية حتى الذوبان و الانصهار و من ثم يقوم ببيعها ككتل مصمتة يسهل تصريفها فى السوق العام. إذ لم تكن السبائك فى شكلها الحالي معروفة بعد.

استطلع بانيب الضريح المستهدف نهاراً أثناء فترة عمله اليومية كمشرف عمال، و من ثم عاد لبيته ليخطط البدء فى عملية السرقة ليلاً، فى العام 1200 قبل الميلاد، نعرف أن مجرما اسمه بانيب، قرر سرقة ضريح الملك الفرعون سيتى الثانى، و هى مغامرة غير سهلة بالمرة، لكنها مجزية بالتأكيد لشخص مثل بانيب و أفراد فريقه من العمال اللصوص.

كان عليه أولاً أن يرشو الحراس، ليغضوا الطرف عن ما يفعله، و بعد ذلك عليه أن يحفر طريقه لغرفة الدفن، و لنستوعب ما تعنيه غرفة الدفن يجب  أن نفهم فكرة الحياة الأخرى بالنسبة لفرعون مصرى قديم، إنها حياة تشبه حياتهم فى مصر بلا أدنى تغيير، و عليه فقد كانت غرف الدفن هذه تحتوى على الأثاث و الحلى و الجواهر و الطعام و الشراب و الملابس بل و حتى النبيذ و البيرة ، و غرفة الدفن التى ينتوى بانيب سرقتها هنا، هى غرفة دفن ملك، أترك لخيالكم العنان.

لقد كانت هذه أكبر عملية سرقة يقوم بها بانيب فى حياته، بل و أكبر سرقة يتم التخطيط لها على الإطلاق منذ ثلاثة آلاف عام لم يكن بانيب يعرف أنه و حتى فى هذه الحالة، فإن ثمة من يراقبه، و يدون ما يفعل بدقة مفتش من مفتشى سكوتلنديارد.

لنترك عمه يروى فى برديته ما فعل ابن اخيه :-

” عند إنتهاء مراسم الدفن، دخل بانيب عنوة ضريحاً، و راح يسرق أغراض الملك، أخذ عجلات حرب، بالإضافة إلى النبيذ و مختلف الكنوز، لقد تمادى لدرجة أنه جلس على تابوت الملك رغم أن الجثمان داخله ”

هذا ما دونه عم بانيب بالحرف فى وصف هذه السرقة، نستطيع رؤية مدى فداحة ما فعله بل و مدى غروره و استهتاره، حسناً، لسبب أو لآخر تم إلقاء القبض على بانيب، ربما لم يرش كل الحراس أو تفاوض معه أحدهم على زيادة الرشوة غير أنه رفض، لا ندرى، كل ما نعرفه بالظبط أن بانيب أول لص نعرفه فى تاريخ مصر القديمة، قد أعدم بالخازوق جراء فعلته، بعد توجيه التهم التالية إليه حسب البردية :-

السرقة و الاعتداء بالضرب و محاولة القتل و نهب الأضرحة.

لنتفهم خطورة سرقة الأضرحة علينا أن نسترجع فكرة مفادها أن الروح لن تستطيع العبور إلى العالم الآخر إذا تم تشويه الجسد أو سرقته أو نبش الضريح، و عليه كانت محاولة بانيب سرقة ضريح الملك الفرعون سيتى الثانى، جرماً لا يغتفر بأى حال من الأحوال. كونه لا يسرق ضريحه فقط إنما يحرم روحه من الحياة الأبدية .

ربما كان هناك لصوص آخرين مثل بانيب و أكثر، لكن لحسن حظنا هو الوحيد الذى وصلتنا عنه اول و أقدم مخطوطة توثق هذه السرقة.و تخبرنا كذلك عن أمة عظيمة و قوية تواجدت فى هذه المنطقة من العالم منذ الآلاف السنين.


لص مصر