مسلسلات

حوار مع صاحب ملحمة GAME OF THRONES جورج آر مارتن

حوار مع صاحب ملحمة GAME OF THRONES جورج آر مارتن

فى ليلة باردة من ليالى شهر يناير جلس جورج رايموند ريتشارد مارتن داخل سينما جان كوكتو، والتي يمتلكها فى سانتا فيه عاصمة نيو مكسيكو، حيث عاش هناك منذ عام 1979. وكانت السينما تعرض الثلاث مواسم الأولى من المسلسل المبهر الذى تنتجه قناة HBO  ” صراع العروش”، والقائم على الملحمة التى مازال يعمل عليها مارتن ” أغنية الجليد والنار”. بعد مشاهدة الحلقة التاسعة، ومشهد قطع عنق نيد ستارك فجأة،  ثم إظلام الشاشة،  جلس مارتن ساكنا للحظات، ثم قال ” برغم أننى رأيت هذا المشهد كثيراً، إلا أن له تأثيرا بالغاً. بالطبع بالنسبة لى هناك المزيد فى الروايات”.

نعرض هنا مقتطفاً من لقاء أجرته مجلة رولينج ستون الأمريكية مع الكاتب جورج أر.أر. مارتن فى 8/5/2014.

حوار مع جورج آر مارتن

  • من أين تستمد أفكارك؟
  • الأفكار كثيرة. أننى أملك افكاراً لا استطيع كتابتها لكثرتها. أننى فخور بعملى. لكن لا أعرف هل يمكننى أن أدعوه عملا أصيلاً. أنظر الى شكسبير الذى استعار كل حبكات مسرحياته. فى ” أغنية الجليد والنار” استعرت أفكاراً من “حرب الوردتين” وأفكار أخرى خيالية، وكل تلك الأفكار تدور بذهني وبطريقة ما امتزجت معا في كتاباتي التي أتمنى أن تكون فريدة. لكنني لا أعلم من أين جاءت، لكنها تأتي.. دائماً. لو كنت رجلاً متديناً، لقلت أنها هبة من الرب، لكنى لست كذلك، لذا لا يسعني قول ذلك.
  • لقد تحدثت من قبل عن لمحات أولية للقصة التى أصبحت “اغنية الجليد والنار”، رؤية تراءت لك عن صبي يشاهد عملية قطع عنق ثم يجد (الذئاب الرهيبة) فى الجليد. إنها فكرة مثيرة.
  • كان ذلك فى صيف عام 1991. وكنت أعمل في هوليوود. وكان وكيلي يحاول تدبير مقابلات لي لأهجر أفكاري، لكن لم أجد شيئاً أقوم به فى شهري مايو ويونيي. لقد مرت سنوات قبل أن أكتب رواية. وكان بذهني فكرة عن رواية خيال علمي تسمى (آفالون). وشرعت فى كتابتها وكان الأمر يسير بشكل جيد، عندما تَرَاءَى لي هذا المشهد، والذى سيغدو في النهاية الفصل الأول من صراع العروش. وكانت الرؤية من وجهة نظر بران،  إنه يرى رجلاً تُقطع رأسه ويجدوا جراء (الذئاب الرهيبة) في الثلج. لقد ظهر لي بقوة وبوضوح حتى أننى جلست لأكتبه، وفى غضون ثلاثة أيام خرج منى كل ما تقرأه الآن. .
  • عندما قررت كتابة ثلاثية هل انتابك القلق من مقارنة عملك بثلاثية تولكين (ملك الخواتم)؟
  •  ليس بشكل واضح. منذ سبعينيات القرن العشرين حاول مقلدو تولكين إضفاء بعض التجديد على نموذجه، لكنهم كانوا يفتقرون للأصالة والحب العميق الذى يضمره تولكين للأسطورة والتاريخ. لكننى اُعتبرت دائما، على الأقل فى هذا النوع الأدبى، كاتباً رصيناً. كما كانت تلك القصة تسيطر علىَ تماماً. أعتقد أن هذه الكتب بها حساً من الروايات التاريخية بالاضافة إلى سحر ورهبة الفنتازيا الملحمية.
  • بإستثناء عنصر الفنتازيا، ربما يمكننا إعتبار “صراع العروش” إعادة تخيل لحرب الوردتين.
  • لقد فكرت منذ مرحلة مبكرة جداً هل أُدخل كثير من عناصر الفنتازيا، وحينها فكرت فى كتابة قصة “حرب الوردتين”. لكن المشكلة مع الأدب التاريخي المعروف أنك تعلم ما سيحدث. لو علمت أي شيء عن “حرب الوردتين” ستعرف أن الأمراء في البرج لن يهربوا. أريد أن أكتب شيئاً غير متوقع، أن اُدخل المزيد من الحبكات والتحولات. السؤال الرئيسى كان التنانين: هل أدخل التنانين فى القصة؟ أعلم أن رمز التارجاريان هو التنانين، وآل لانيستر الاسود، وآل ستارك الذئاب. هل ستكون تلك الأشياء حرفية هنا؟ أينبغى أن  يكون لدى التارجاريان تنانين؟ كنت أناقش ذلك الموضوع مع صديقة، وهى الكاتبة فيليس آيزنشتاين – والتي اهديت الكتاب الثالث لها- فقالت “جورج إنها فنتازيا- يجب عليك أن تدخل التنانين فى القصة”. لقد أقنعتنى، وكان رأيها صائباً. والآن بعد أن تعمقت فى الموضوع، لا استطيع تخيل الكتاب بدون التنانين.
  • كيف واتتك فكرة الجدار؟
  • إن الجدار يسبق أي فكرة اخرى. وفكرته تعود لعام 1981. كنت حينها في إنجلترا أزور صديقي، وحينما اقتربنا من الحد بين إنجلترا واسكتلندا، توقفنا لنشاهد جدار هادريان. وقفت هناك محاولا تخيل كيف كان شعور الجندي الروماني الواقف على هذا الجدار، شاخصا ببصره لتلك التلال البعيدة. لقد كان شعوراً عميقاً. لأنه بالنسبة للرومان فى ذلك الوقت، كان ذلك الجدار هو نهاية الحضارة.. نهاية العالم. نعلم الآن أن الاسكتلنديين كانوا وراء تلك التلال، لكن الرومان لم يعرفوا ذلك. بالنسبة لهم ربما كان خلفها وحوش. كان  لدي الشعور بذلك الحاجز ضد قوى الظلام- لقد زرع شيئاً ما داخلى. لكن عندما تكتب رواية فنتازية فكل شىء ضخم ونابض بالحياة، لذلك جعلت الجدار يمتد 300 ميلاً عرضاً و700 قدم ارتفاعاً، وجعلته من الثلج.
  • العرض التلفزيونى أكسبك ملايين من المعجبين الجدد، والذين طبقا للمناقشات الدائرة عبر الانترنت، عاشقن لعملك ومتحمسين له..
  • إنه شعور رائع، أن تعلم أن لديك كثير من القراء أو المشاهدين، بل إنهم يفكرون كثيرا ويبدون اهتماماً شديداً أكثر مما احتمله. لكن ربما كان ذلك سبباً من الأسباب التي جعلتنى أبطيء. العديد من الناس ينظرون لكل سطر، وينتظرون كل مشهد. وأجده أمراً مسلياً، بل ومرضياً بشكل خفي، كثيراً من المعجبين مهتمين بالتاريخ. أتعلم لا اعرف هل يهتمون حقاً بدراسة التاريخ الحقيقي. ربما أصابهم الملل في المدرسة مع كل أولئك الملوك الذين يحملون اسم هنري في التاريخ الإنجليزي، لكنهم سيبحثون بسرور عن تاريخ سلالة التارجاريان .

لا أتظاهر أنني مؤرخ. المؤرخون المعاصرون يهتمون بدراسة التاريخ من الناحية الاجتماعية والسياسية. وأنا لا أُعير ذلك انتباهاً. ما يشدني حقاً القصص. التاريخ يُكتب بالدماء، الملوك، الأمراء، القادة، العاهرات، وكل الخيانات والحروب والوعود. إنه أفضل من 90 % من جميع ما تختلقه قصص الفنتازيا.

  • من الموضوعات الرئيسية في “أغنية الجليد والنار” و”صراع العروش” السلطة. غالبا يستخدمها الجميع، عدا ربما دينيريس، بشكل سىء.
  • السلطة أمر صعب. ربما كان ذلك ردى على تولكين،  الذي بقدر ما أحبه، بقدر ما أعترض على فلسفة “ملك الخواتم” القروسطية وهي: إذا كان الملك رجلا صالحا سينصلح حال البلاد وتزدهر. حينما نلقى نظرة على التاريخ الواقعي نجد أن الأمر ليس بتلك البساطة. يستطيع تولكين أن يقول أن اراجون أصبح ملكاً وحكم لمئات السنين، وأنه كان رجلاً حكيماً وصالحاً. لكنه لا يطرح أسئلة على غرار: ما هى سياسة أراجون الضريبية؟ هل حافظ على جيش قوي؟ ماذا فعل في أوقات الفيضان والمجاعات؟ وماذا عن الأوركس الآخرين؟ في نهاية الحرب، يتدمر ساورون لكن جميع جنوده الأوركس لا يموتون- إنهم موجودون بالجبال. هل اتبع أراجون سياسة إبادة جماعية منهجية وقام بقتلهم؟.

فى الحياة الواقعية الملوك لديهم مشكلات واقعية. كون المرء مجرد رجل صالح لم يكن دوما الجواب. ينبغى عليك إتخاذ قرارات صعبة جداً. أحيانا ما يبدو أنه قرار صائب يغدو غير ذلك وينقلب عليك، هذا هو قانون النتائج غير المقصودة. لقد حاولت أن أُلفت اليها الانتباه في رواياتي. شخصياتي التي تحاول أن تحكم و تمر بأوقات صعبة وليست هينة. مجرد امتلاكك لنوايا حسنة لا يجعلك ملكاً حكيماً.

  • أحيانا يقرأ الناس ما يحدث فى تلك الكتب ويتساءلوا كيف تلقى شخصياتك هذه المصائر- مثل نيد ستارك عندما قُطع رأسه. لقد كان بوصلة أخلاقية ثم مات.
  • حسناً، هذا هو مقصدي. إننى أعلم تماما منذ البداية أن نيد لن يظل على قيد الحياة. بصفتى كاتب وقاريء أحب القصص التي تفاجئنء. مثلاً فيلم “نفوس معقدة” لهيتشكوك كان له تأثيراً بالغاً لأن جانيت ليج هي بطلة الفيلم. لقد سرقت وهربت- هل ستمسك بها الشرطة؟ الأمر الثاني هو أنها طُعنت بالسكين وهي تستحم – أنها توجد فى الفيلم لمدة 40 دقيقة فقط. ماذا يحدث بحق الجحيم؟ لقد ماتت البطلة! بعد ذلك، لا تعرف حقا ما يدور. ذلك الأمر عظيم، لقد أحببته. وهذا ما حاولت القيام به مع نيد ستارك: الحامي الذي يمسك بزمام الأمور مات. ومن ثم تغدو الأمور أكثر ارباكاً وحيرة. إن الخطر يكمن هنا حقاً.
  • أنت رجل إجتماعى، لكن هذه الكتب عنيفة بشكل لا يصدق. هل يبدو هذا متعارضاً مع تلك الأراء عن السلطة والحرب؟
  • الحرب التى كتب عنها تولكين كانت من أجل مصير الحضارة ومستقبل الإنسانية، وهذا ما أصبح القالب السائد. لست متأكداً إذا كان ذلك القالب جيدا. لقد قاد نموذج تولكين أجيال من كتاب الفنتازيا ليكتبوا تلك الكتب التي لا تحصى عن ملوك الظلام وأتباعهم الأشرار قبيحو المنظر المتشحون بالسواد. لكن أغلب الحروب في التاريخ ليست بتلك الطريقة. مثلا الحرب العالمية الأولى.. إنها ذلك النوع من الحروب الذي تعود بذاكرتك بعد ذلك وتقول “ما الذى كنا نحارب لأجله بحق الجحيم؟ لماذا كان على تلك الملايين من الناس أن تموت؟ هل كان الأمر يستحق التخلص من إمبراطورية النمسا والمجر، حتى أننا أبدنا جيلاً بأكمله، ومزقنا نصف القارة؟ هل كانت حرب عام 1812 تستحق القتال من أجلها؟ الحرب الأسبانية- الأمريكية؟ ما الذي كان يحاربون من أجله؟”

هناك حروب قليلة تستحق حقاً ما تكبده من خسائر. لقد ولدت بعد ثلاثة سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية. إنك تريد أن تكون البطل. تريد الوقوف على قدميك، سواء كنت الرجل العنكبوت تقاتل الجوبلن الأخضر، أو الأمريكى الذى ينقذ العالم من النازيين. يحزننى أن اقول هذا ولكن اعتقد أن هناك أشياء تستحق القتال من أجلها. الناس لا يزال لديهم القدرة على ابداء البطولة العظيمة. لكنى لا اعتقد بضرورة وجود أبطال. إنني اؤمن بالشخصيات العظيمة. نحن قادرون على القيام بأشياء عظيمة وأشياء سيئة. داخلنا الشياطين والملائكة، وحيواتنا هي سلسلة من الخيارات. أنظر إلى شخصية مثل وودرو ويلسون، وهو من أكثر الرؤساء الرائعين في التاريخ الأمريكي. لكنه كان حقيراً في موضوعات العنصرية. كان جنوبيا يؤمن بالتمييز العنصري، ويثنى على المخرج ديفيد وورك جريفيث وفيلم “ميلاد أمة”. لكن فى مجال الشئون الخارجية وعصبة الأمم كان يمتلك حلماً عظيماً. الحروب تنتهي ، كل الحروب، ونحن نسخر منها الآن ، لكن يا إلهي! لقد كان حلماً مثالياً. لو استطاع تحقيقه لكنا شيدنا له تمثالا يبلغ طوله مئات الأقدام وقلنا “كان هذا أعظم رجل في تاريخ البشر. أنه الرجل الذي أنهى الحرب”. كان عنصريا حاول إنهاء الحرب. الآن هل تلغي إحدى شخصياته الأخرى؟ كلا، لا تستطيع أن تجعله بطلاً او شريراً. كان كليهما، ونحن كذلك.

  • وصف أحد النقاد سابقاً الحلقات التلفزيونية بانها كئيبة وتجسد نظرة عدمية، بينما قال آخر أنها “تفتقر إلى إشارات أخلاقية”. هل أصابك القلق من وجود بعض الصحة فى هذا النقد؟
  • كلا. هذا النقد باطل تماماً. فى الواقع أعتقد أنه نقد أحمق، فنظرتى أي شيء إلا العدمية.

جورج آر مارتن game of thrones

قد يُعجبك