أمراض وعلاجات

ما هو الفصام؟ وما هي أسبابه وأعراضه؟

ما هو الفصام؟ وما هي أسبابه وأعراضه؟

الفصام أو الشيزوفرينيا باختصار هو عبارة عن بصيرة غائبة.. هلوسات وأوهام مزعجة قد ترقى لمستويات خطيرة لدى المريض وتحتاج علاجاً، تتعدد الأفلام السينمائية التي تتخذ من مرض الفصام مادة دسمة وموضوعاً قوياً يلفت انتباه المشاهدين ويغدق على شركات الإنتاج أموالاً طائلة، خصوصاً إذا صوّرت أبطال هذا الاضطراب في حالتهم العدوانية الشرسة والمخيفة.. من هذا المنطلق، ارتأينا ضرورة توضيح بعض المفاهيم الخاصة بمرض الفصام والإسهاب في شرح أسباب هذا الاضطراب وكيفية علاجه.

الفصام أو الشيزوفرينيا

 (Schizophrenia) كلمة يونانية تعني انشطار العقل "Split mind"، ومضمون الفصام مختلف تماماً عن انفصام الشخصية "split personality"، وهو المصطلح الشائع والمعروف لمرض (Schizophrenia) بالعربية؛ يرتبط غالباً بوجود اضطراب هوية شخصية لدى الفرد، فالفصام حالة تدريجية تتدنى فيها قدرات الفرد الإدراكية والمعرفية واللغوية مع ظهور أعراض إيجابية أو سلبية خاصة بالمرض.

ومن الخطأ تعميم خطورة مرضى الفصام وعدوانيتهم التي تظهر بشكل مكثف في الأفلام السينمائية، فنسبة قليلة جداً من جرائم العنف والعدوانية المرتكبة تحمّل مسؤوليتها إلى مرضى الفصام، وحتى لو وصل هذا المريض إلى مستويات خطيرة فعادة ما يعنف أفراد أسرته أو من يصدف تواجده معه في المنزل بدلاً من خروجه لتعنيف أو ضرب الغرباء.

أسباب مرض الفصام

كما أشرنا في مقالنا السابق عن مرض الاكتئاب، فإن الأسباب الفعلية لأي مرض نفسي لاتزال مبهمة وغير معروفة بشكل دقيق وواضح، إلا أن العلماء والباحثين قد توصلوا إلى وضع فرضيات مدعومة بنتائج أبحاثهم ودراساتهم عن مرضى الفصام، وفيما يلي نذكر أهم هذه الفرضيات:

1- الفرضية الوراثية

تنخفض احتمالات ظهور مرض الفصام في أحد أفراد الأسرة الواحدة إلى نسبة أقل من 1% ، وذلك عند غياب القصة المرضية العائلية إن كانت من الدائرة الأولى ( أب ، أم، أخت، أخ) أو الثانية ( عم، خال، ..) ، بينما ترتفع نسبة إصابة الأبناء إلى 10% إذا كان أحد الأبوين مصاباً، وتصل إلى 40% لدى إصابتهما معاً.

2- الفرضية البيولوجية

من أهم الفرضيات على الإطلاق، وفيها يعتقد الخبراء أن المستويات غير المتزنة من الدوبامين (Dopamine) (ناقل عصبي كيميائي في الدماغ)؛ قد تتورط في ظهور أعراض هذا المرض وصفاته. يمكن لنواقل عصبية دماغية أخرى أن تشارك الدوبامين في اكتمال ظهور اللوحة السريرية (التشخيص) الخاصة بمرض الفصام، كالسيروتونين والإبينفرين والغلوتامات، إلا أنها تبقى أقل شأناً وأهمية مقارنة بالدور البارز والرئيسي للدوبامين في إحداث هذا الاضطراب النفسي.

3- العوامل البيئية

يذكر موقع (Medical News Today) أن الإنتانات الفيروسية خلال الحمل أو ما حول الولادة قد تلعب دوراً في ظهور الفصام لدى الأبناء، إلا أن هذه الاتهامات لا تزال مثار جدل كبير ويعتبرها الكثيرون مجرد اشتباهات بلا أدلة كافية حولها، كما أن كثرة التجارب الحياتية التي تبعث على التوتر والقلق قد تشكل السبب الأكبر لهذا المرض.

4- أسباب دوائية

كتناول المواد المهلوسة والحشيش، ويعتقد بعض الباحثين أن الستيروئيدات والمنبهات الموصوفة بكثرة من قبل الأطباء قد تعتبر عاملاً مساهماً في إحداث الأمراض الذهانية.

الأعراض الذهنية والعاطفية والسلوكية والجسدية لمرض الفصام

  • الهلوسات: يقصد بها الإدراك الفردي الخاطئ لشيء ما غير موجود في الواقع، وتقسم عموماً إلى هلوسات سمعية، بصرية، ذوقية، شمية، لمسية (سطحية أو عميقة). وعلى مستوى الفصام، تترأس الهلوسات السمعية قائمة الإهلاسات (Hallucinations) الشائعة بين مرضى الفصام، والتي قد تدفع بعضهم إلى سد الأذنين كرد فعل لما يسمعونه من أصوات مزعجة أو آمرة.

ويمكن للإهلاسات الذوقية أن تظهر أيضاً لدى البعض الآخر، كأن يشعر المرء بوجود طعم معدني غير مستحب في فمه مثلاً، وقد يتعدى الأمر إلى وجود إهلاسات شمية تتظاهر لديه برائحة بيض فاسد أو مطاط محروق.

  • الأوهام: عبارة عن أفكار خاطئة تسيطر على عقل المريض وتتمكن منه ويصعب التخلص منها بالحوار الهادئ والعقلاني. تسيطر على مريض الفصام عادة أوهام اضطهادية يعتقد فيها أنه مراقب ومعرض للأذى والخطر بأي لحظة، وقد تستبدل لدى البعض الآخر بأوهام العلاقة التي ينسبون فيها كل ما يدور حولهم إلى ذاتهم ووجودهم، كأن يعتقد المريض مثلاً أن المذيعة في التلفاز تتبسم له وتخاطبه بمفرده، أو أن العصفور الذي حط على نافذته قد خصه لذاته دون غيره.

ومن الضروري جداً أن نشير إلى حالة الوهم الغريب الذي يعتبر وصفياً بشدة لمرضى الفصام، ويتحدث عنها المريض عادة بتجسس الفضائيين عليه أو هبوطهم إلى منزله ومحاولاتهم العبث بجسده أو زرع مواد صلبة فيه. قد تتملك المريض في بعض الأحيان أوهام يؤمن فيها بقدراته الإلهية الخارقة، أو ينسب نفسه لعائلة رفيعة ملكيّة مثلاً.

  • غياب البصيرة: التام لدى الهجمات الحادة لدى نسبة 97% من الحالات، والبصيرة هي معرفة المريض بحالته الصحية والاعتراف بها وبأهمية علاجها.
  • التبدلات الانفعالية، حيث يلاحظ على المريض تقلب حالته الشعورية الوجدانية وتبدلها، إلى جانب الوجدان غير المتناسب مع الحادثة؛ كأن يبكي المريض في أوقات الفرح أو يضحك بصوت عال في اللحظات الحزينة. يمكن أن تظهر أيضاً حالات تبلد الوجدان التي ترتفع فيها عتبة التأثر الخاصة بالمريض فتجعله عصياً جداً على التفاعل عاطفياً مع ما يجري حوله، قد تصل به إلى مرحلة تسطح الوجدان التي لا يتفاعل بها مطلقاً مع أي حدث كان.
  • اضطراب شكل التفكير، حيث يعاني المريض من صعوبات في طريقة صياغة الجمل والعبارات اللغوية، مع اضطرابات في مجرى التفكير أيضاً، وهي سرعة توافد الأفكار إلى ذهن المريض وغزارتها أو تباطئها. قد يحدث أن يتوقف المريض فجأة عن الحديث (حصار الأفكار)، أو يتحدث بتفاصيل كثيرة عن أشياء لا تمت إلى السؤال الأصلي بصلة قبل أن يجيب بالشكل الصحيح (الإسهاب)، ويمكن له أن يسهب دون تقديم الجواب الصحيح السليم (المخاتلة)، وتتنوع الأساليب التي يجيب بها مريض الفصام على الأسئلة المعروضة عليه كأن يواظب على تكرار آخر مفردة سمعها من محدثيه (المواظبة)، أو أن يخترع مفردات جديدة خاصة به لا وجود لها في المعاجم أو القواميس، وقد يصعب على المستمع أحياناً أن يفهم كلام الفصاميّ وجمله.
  • تبدلات السلوك، كانسحاب المريض من المجتمع مع صعوبات تواصلهم ورفضهم الحديث مع الآخرين، ويمكن لبعض المرضى أن يضعوا الأغطية لإغلاق نوافذهم، أو قد يدخلون إلى عيادة الأطباء النفسيين ويخلعون كامل ملابسهم، أو يحضرون معهم حقيبة مجهزة بكافة مستلزماتهم كي يقيموا في عيادة الطبيب النفسي.
  • أعراض جسدية عامة، كالصداع وآلام الصدر والبطن.
  • أعراض خاصة بالمهنة أو الدراسة، كتدني مستوى المريض المهني أو الدراسي وتراجع قدرته على تحقيق أهدافه.
  • فقدان القدرة على مزاولة النشاطات اليومية، كالغسيل والطبخ مثلاً.
  • الاستعراف، لا تتأذى الذاكرة لدى مرضى الفصام عادة، إنما قد يصعب عليهم التركيز على مهمة معينة.

نشير إلى أن أعراض الفصام تصنّف إلى أعراض إيجابية (هلوسات، أوهام) وأعراض سلبية (الانسحاب من المجتمع، تبلد الوجدان وتسطحه، فقدان القدرة والدافع على مزاولة النشاطات، غياب التعابير الوجهية)، مع ضرورة التنبيه إلى صعوبة علاج الأعراض السلبية لدى المرضى.

للبدء بمعالجة الفصام لا بد من معايير محددة للتشخيص

يحتاج الطبيب أو المركز الطبي الخاص إلى توفر المعايير التشخيصية التالية:

  • تواجد صفتين على الأقل مما يلي: الأوهام، اضطراب التصرفات السلوكية وعدم انتظامها، اضطرابات شكل ومجرى التفكير، الإهلاسات، الأعراض السلبية المستمرة لمدة لا تقل عن أربعة أسابيع.
  • عجز المريض عن متابعة نشاطاته وأعماله اليومية، وتدني مستواه المهني أو الدراسي.
  • ظهور أعراض لا تقل مدتها عن ستة أشهر.

علاج مرض الفصام

يرى أطباء النفس أن استخدام مضادات الذهان قد ساعدت مرضى الفصام بشكل كبير على ضبط الأعراض وتمكين الأفراد المصابين من مزاولة مهنهم ونشاطاتهم المختلفة دون الحاجة إلى الاستشفاء. على مريض الفصام أن يواصل استهلاك الأدوية الخاصة به دون انقطاع لمدة سنة، وبعدها يقرر طبيبه المختص ضرورة تخفيف الجرعات من عدمها.

ويجب مشاركة العلاج الدوائي مع الدعم النفسي الذي يقدمه الطبيب النفسي المختص في جلسات علاجية فردية أو جماعية. ومن مضادات النفاس (مضادات الذهان أو المهدئات الكبرى- Antipsychotics) نذكر: كلوزابين (Clozapine)، ريسبيريدون (Respiridone)، أولانزابين (Olanzapine) وهالوبيريدول (Haloperidol)؛ لهذه الأدوية أعراض جانبية متنوعة كارتفاع سكر الدم، فرط برولاكتين الدم، السمنة الشديدة، أو انخفاض ضغط الدم وتباطؤ القلب الشديدين مع ظهور أعراض حركية زائدة أو غيرها.

يمكنك فعل الكثير كي تساعد أحد أفراد أسرتك أو المقربين ممن شخص لديهم مرض الفصام

قد تبدو لك مساعدتهم ودعمهم معنوياً صعبة في البداية، إلا أن دعمك الخاص لهم سيمنحهم دفعة كبيرة إلى الأمام في طريق علاجهم من مرض الفصام، يمكنك اتباع النصائح التالية مع من تعرفهم من مرضى الفصام:

  • وفر للمريض مضادات النفاس (الذهان) الموصوفة له من قلل طبيبه المتخصص وشجعه على تناولها بانتظام.
  • تذكر دوماً أن الهلوسات والأوهام حقيقية بالنسبة لمريض الفصام وتجنب ازدراءها أمامه.
  • أخبر مريض الفصام أن الفرد الواحد لديه الحق دوماً أن يملك رؤيته الخاصة بما حوله.
  • كن صبوراً ولطيفاً مع مريض الفصام دون أن تتجاهل ضرورة تبليغ الطبيب النفسي أو مركز الدعم الطبي المختص في حال ظهور تصرفات عدوانية، أو تجنب تناول الطعام والشراب من قبل المريض.
  • ابحث عن مراكز علاجية داعمة أو مجموعات علاجية سلوكية خاصة بمرضى الفصام.

معلومات عامة حول مرض الفصام

يشكل مرضى الفصام 1% من مجموع سكان العالم، يعرف عالمياً باسم (Schizophrenia) انشطار العقل، يصيب عادة الفئات العمرية ما بين 15 و 35 سنة، ويندر ظهوره تحت 10 سنوات وفوق 45 سنة، وعلى الرغم من عدم صوابية المعنى الذي تحمله كلمة (Schizophrenia) تجاه هذا المرض، إلا أنه بقي المصطلح المتداول عنه إلى يومنا الحالي.

ففي علم النفس، يعتبر الفصام اضطراباً ذهانيّاً مترقياً مزمناً، تتأثر فيه انفعالات المريض وسلوكه إلى جانب انفصاله عن الواقع مع تبدل طريقة إدراكه ومحتوى تفكيره، وتصفه منظمة الصحة العالمية مرضاً نفسياً قابلاً للعلاج إذا ما توفرت له الوسائل العلاجية المناسبة. ينتحر ما نسبته 10% من مرضى هذا الاضطراب النفسي بينما يحاول 50% منهم الانتحار دون نجاح ذلك، ويدمن 40% من مرضى الفصام على الكحول والمخدرات.

النتائج التي توصل لها العلم حديثاً حول الفصام

  • توصل باحثون في قسم الأمراض النفسية والاضطرابات العقلية في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة، إلى أن تناول جرعات عالية من فيتامين (B (B6، B8، B12؛ قد يخفف بشكل ملحوظ أعراض الفصام النفسية، كذلك قد يخفف احتمالية نكس بعضها (كالأوهام والهلوسات) بعد فترة طويلة من اعتماد العلاج الدوائي الخاص بالفصام، ترأس الطبيب جوزيف فيرث (Joseph Firth)، هذه الدراسة نشرتها صحيفة الطب النفسي (Journal of Psychological Medicine) في 16 شباط/فبراير عام 2017، كما أكدت الدراسة على أن موضوع دور الفيتامينات والمعادن الغذائية في معالجة أعراض الفصام النفسية أو التخفيف منها؛ بحاجة للمزيد من الدراسات والبحوث مستقبلاً.  
  • هذا وقد وجد الطبيب فيرث مع فريق بحثه التابع لجامعة مانشستر عام 2016 أن ممارسة التمارين الرياضية قد حسنت قدرة الدماغ الوظيفية وخففت بشكل ملحوظ الأعراض الخاصة بمرضى الفصام. وكانت صحيفة (Schizophrenia Bulletin) قامت بنشر هذه الدراسة في آب/ أغسطس عام 2016، حيث أشار فيها الطبيب أيضاً إلى أهمية ممارسة الرياضة في المراحل المبكرة للمرض، وذلك لدرء الوصول إلى المستويات الأصعب والأخطر من المرض.

ختاماً... مريض الفصام كغيره من المرضى النفسيين، يستطيع مزاولة حياته ونشاطاته اليومية إذا ما توفرت له وسائل العلاج الأمثل والدعم النفسي المستمر من قبل طبيبه والأفراد المحيطين به، كما يتمكن مريض الفصام في بعض الحالات من تحقيق نجاحات مهنية أو أكاديمية، ونادراً ما يصل إلى المستويات الخطيرة التي يتحول فيها إلى كائن عدواني معاد لمن حوله في ظل تقديم الدعم النفسي والعلاج.


الفصام أسباب الفصام أعراض الفصام أمراض نفسية